عندما أعاد جوزيف ترنيم المقولات القديمة، بقلم المهندس نور الدين صلاح

 

effendi


إعتقال صديقي جوزيف أفندي على يد النظام الحاكم في دولة جنوب السودان لا يمكن أن يمر عليّ كما تمر الكثير من حالات الإعتقال والإخفاء القسري التي تطال كثيراً من نشطاء السياسة والرأي العام، فللرجل قصةٌ مثيرةُ اختارها له القدر، وسيرة مجيدة اختار أن يحكيها هذا الإنسان النقي المعجون بقيم الصدق والجسارة والإخلاص.


فهذا الرجل الذي يحكي ورطة جيل وخطيئة ساسة وتقاعس نخبة، كان ويبدو أنه ما زال أيقونةً من أيقونات النضال في البلدين، وفي كلا البلدين كان هو الزائر المستمر لمعتقلات أنظمة البطش، وكان دوماً بجسارته في مقدمة الصفوف المنادية بالحياة الكريمة والحقوق الأساسية ومجموعة قيمٍ لا تتجاوز مسميات الحرية والعدالة والمساواة، وهكذا كان أفندي لشعبه القديم، وهكاذا هو الآن لشعبه الجديد يدفع ثمن ما آمن به من قيم وما اعتنقه من مباديء.


تعرفت على جوزيف أفندي داخل ردهات مؤتمر الطلاب المستقلين، هذا التنظيم الذي كان أول من بادر ليتحدث عن الأزمة السودانية وفق منظورٍ وطنيٍ بحت، معلناً قطيعته للمشاريع السياسية والفكرية الراحلة عبر التاريخ والجغرافيا، حيث كان المستقلون اول من نادوا إلى تحليل الأزمة الوطنية باعتبارها مجموعة أزماتٍ وتشوهات غشيت بصيرة الشعب أو الشعوب السودانية، فكان ان أصيبت بأمراض التعالي الثقافي والإستعلاء العرفي والنفي للآخر المختلف وغيرها من أمراض ما قبل التاريخ.


لعل في اعتقال أفندي، وعلى الرغم من جزعي بسبب الظروف التي يواجهها الآن في معتقله، إلا أنه وبكل الصدق ألهمني الفخر والمزيد من الإيمان بالمشروع الذي جمعنا وما زال يجمعنا رغم أنف الجغرافيا والأوراق الرسمية، إن المشروع الذي تبناه المستقلون يكاد يكون هو آخر الأواصر الفكرية والسياسية التي كانت تجمع الشعبين عندما كانا شعباً واحداً، ولربما يكون هو طوق النجاة الذي سيحمل الشعبين إلى الضفة الأخرى، حيث يجدان الحياة التي يستحقانها، شأنهما في ذلك كل شعوب الأرض التي تنعم بالسلام و الحرية والعبش الكريم.


أختم فأقول أن من حق جوزيف أفندي أن يفخر بنفسه، فهو الآن لا يحكي مجرد موقف بطولي اعتدناه منه عبر إنحيازه لصوت الضمير والحق، فهو ابن لمدرسة علمته أن يقول لا في وجه من يقولون نعم أياً كانت الكلفة وأياً كان المقابل، لكن فخر جوزيف بنفسه وفخرنا نحن به يتمثل في كونه يسطر سفراً جديداً في تاريخٍ قادم لبنات وأبناء السودان وجنوب السودان، يكفي أنه استطاع أن يجمع كل هذه الأصوات المتضامنة والمناصرة من كل شبرٍ في البلدين، استطاع جوزيف أن يعيد ولو على مستوى المشاعر مقولة من حلفا إلى نمولي ومن طوكر إلى الجنينة، ففكر كل شبرٍ من البلدين يوجد لأفندي أصدقاء يشبهونه في البذل والتضحية والحلم بالوطن أو الوطنين اللذان يسعان الجميع.