"ستون عاما من وأد الحرية ~ وزر الحكومة ونذر المعارضة" بقلم بلّة البكري

on .

 bakribala

 

الأول من يناير 2016 بقلم بلّة البكري (*)
الأصل في الحُريّة

)مما نُسب لنلسون مانديلا في أمر )الحُريّة( قوله: "أن يعش المرء حراً لا يعني فقط التخلص من أغْلالِه بل يعني أن يعش بطريقة تحترم وتصون حريات الآخرين". وقوله أيضا:“الحُريّة لا تقبل التجزئة لأن القيود التي تكبل شخصاً واحداً في بلادي إنما هي قيودٌ تكبل أبناء وطني أجمعين".

واقعٌ أم خيال؟


في جلسة السمر اليومية في الضَرَى في قرية ريفية نائية على مشارف وادي الفَضْوَة جلس القوم حول الضيف الذي أتى من البندر على صهوة سيارة رباعية الدفع بيضاء اللون غالية الثمن مرتديا ثيابه البيضاء النظيفة والنظارات السوداء التي لا تفارق وجهه حتي ليلا. إنه الدكتور عبدالواصل، من أبناء البلد، من الذين ارتفعت أسهمهم، بفعل "التمكين"،

رغم تواضع أمكاناته كلها، فصار يشغل منصبا "دستوريا" في أحد أروقة الإدارة التي كثرت. كان مغرورا يتباهى على مسامع العامة أنه فوق الوظيفة“المرموقة فهو أيضا حاصل على درجة دكتوراة الفلسقة في الفقه من جامعة ابن أبي السّرْح في أم درمان والتي أنشأتها حكومتنا (الوطنية) تخليدا لذكرى الفاتح العظيم! نظر أبوي سالم إليه باستهجان بائن وقال له بلهجته الريفية الحلوة:
-
الفلفسة عرفناها يا ولدي لكن حكاية الحُكُم والمعايش دي غلبتكم عديييل والله.
-
غلبتنا كيف يعني يا حاج؟
-
كيف ما غلبتكم؟ كما غلبتكم عاد البتسووا فوقه دي شنو دَحِين؟ البلد دي زمن الانقليز فيها مامور واحد راكب جمل عنّافي حاكمها من اللِّبيِّض للفاشر وما سمعنا بحرب ولا جنجوبد في زمنه. الدنيا كانت رخا وأمان. راس السكر قَدُر سنكيت التور الخَصِي بي سبعة قروش.. زرعنا كان أخضر وقَنقَر الزِّناري مكنجر في الدَرَتْ كيف قرن الكَبْش الحَمَري. حتي البهائم في زمن الانقليز ليهن دكتور بَطَرِي ويلدن في الخريف بلا عُشار، تيمان تيمان. عيش الدُخُن رخيص واللبن راقد هبطرش. أسع في زمنكم دي تقول حاكمنا إبليسوالعياذ بالله. الرزق بقى تلاقيط والموت بقى يلقِّط في الناس كيف بهايم المَحَل. وكان للحكام أولاد البلد المِتْلَك بقوا ناس لقف ساااااكت؛ كروشهم منفوخة متل بَعِير الحِرِيشة. وكضّابين وظالمين ظُلُم أظرط من التُرُك. نان ماغلبتكم كِكِّيف عاد؟!

تلعثم الدكتور العالم وأغبرَّ وجهه غضبا على هذا التطاول والذي يمجد الاستعمار ويذمُّ (الحُريّة) ولكنه وجد نفسه عاجزا أمام هذا البيان الساطع الذي تركه، أمام الملأ، عاريا كما ولدته أمه. وقبل أن ينبس بكلمة صاحت طفلة صغيرة من بيت مجاور صيحة ارتج لها المكان. هرعوا جميعا لنجدتها لكنها فارقت الحياة أمام ناظريهم. ضج المكان بعويل النساء الباكيات وتحول الى عمل دؤوب فيما بقي من ذلك المساء لتجهيز الطفلة ودفنها. كانت مريضة بالحمى منذ عدة أيام ولا يوجد طبيب في القرية أو ما جاورها من قري بل ولا توجد حتى وحدة صحية صغيرة يقوم عليها ممرض. نجا الدكتور العالم من مواجهة أبوي سالم هذه المرة. لكنه ظل مهموما مؤرقا ذلك المساء لم يضق طعما للنوم. فهو يعرف تماما صدق ما جاء على لسان الشيخ الهرم سالم ود رجب وأن حادثة الطفلة التي زهقت روحها ليست معزولة بل هي الواقع لغالب أهل الريف المهمل بسبب عجز الواصلين أمثاله والذين يهرفون ب(حُريّة) لا يعرفون معناها.

ستكون محقا، عزيزي القارئ، لو قلت أن هذه المقدمة تبدو أشبه بمقطع روائي خيالي ليس له صلة بالواقع. فهل هي فعلا واقعٌ أم خيال؟ إنها واقعٌ معاش. واقعٌ معاش في سودان اليوم بعد ستين عاما من الاستقلال و(الحُرِّيّة) وإن بدا في صورة خيال.

(
الحُريّة) في المواثيق الدولية
(
الحُريّة) هي من أعلى القيم البشرية. وقد تبوأت مكانا مرموقا في صدر مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ينص الميثاق في عدة مواد على أن جميع الناس قد ولدوا (أحرارًا) متساوين في الكرامة والحقوق؛ وقد وهبوا عقلاً وضميرًا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء. وأنّ لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق و(الحريات) الواردة في الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو أي رأي آخر، أو الأصل الوطني أو الإجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون أية تفرقة بين الرجال والنساء. وفضلاً عما تقدم فلن يكون هناك أي تمييز أساسه الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلد أو البقعة التي ينتمي إليها الفرد سواء كان هذا البلد أو تلك البقعة مستقلاً أو تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود. وأن لكل فرد الحق في الحياة و(الحُريَّة) وسلامة شخصه. ولا يجوز إسترقاق أو إستعباد أي شخص. ولا يعرض أي إنسان للتعذيب ولا للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية أو الحاطة بالكرامة. ولكل شخص الحق في (حرية) التفكير والضمير والدين. ويشمل هذا الحق (حُريّة) تغيير ديانته أو عقيدته، و(حُريّة) الإعراب عنهما بالتعليم والممارسة وإقامة الشعائر ومراعاتها سواء أكان ذلك سرا أم مع الجماعة. كما لكل شخص الحق في (حرية) الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية. كل هذا قيضٌ من فيض مما حفلت به مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في أمر ا(لحُريّة). (أنظر المواد 1 – 10 والمادة 18 و20 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان).

الاحتقاء ب (الحُرّية)
جاء في كلمة السيد اسماعيل الأزهري في يوم الاستقلال في الساعة التاسعة من صباح الأحد أول يناير 1956 وهو يرفع علم السودان الى أعلى السارية في قصر الحاكم العام في الخرطوم قوله: "..ليس أسعد في تاريخ السودان وشعبه من اليوم الذي تتم فيه (حُريته) ويستكمل فيه استقلاله وتُهيأ له جميع مقومات الدولة ذات السيادة. ففي هذه اللحظة الساعة التاسعة تماماً من اليوم الموافق أول يناير 1956م...نعلن مولد جمهورية السودان الأولى الديمقراطية المستقلة ويرتفع علمها المثلث الألوان ليخفق على رقعته وليكون رمزاً لسيادته وعزته.. " انتهى الاقتباس والأقواس حول كلمة (حريته) من عندي. لقد كان هذا القول في ذلك اليوم أحتفاءً ب(الحُريّة)، في الأساس، وليس عداها. ولابد أن القوم وقتها قد علت أصواتهم فرحا وهي تردد ما أصبح بعدها شعارا: "عاش السودان حرا مستقلا".

لقد نال الانسان السوداني (حُريته) من المستعمر يوم الاستقلال، لا شك في ذلك. والدموع التي انبهلت حارة في ذلك اليوم من البعض هي دموع الفرح ب(الحُريّة) وليس سواها. وقد خلصت للشعب حريته "جلّية كالجوهرة" في ذلك اليوم دون الحاجة لمحاربة الأنجليز بالسلاح. فقد خرجوا طائعين ولم يمانعوا في الجلاء. فماذا فعلنا بها؟ (الحُريّة) الحقة هي ما ينبغي أن تُترجم الى عدلٍ وعدالة في الفرص ومساواة وعُلُوٍّ ورفعة للأمة الوليدة المستقلة ولإنسانها. فكيف تحولت في عهد حكامنا (الوطنيون) الى عبودية من نوع جديد لأهل الدار السودانية؟ هذا ليس حديثا يلقى على عواهنه؛ فأمامكم ما كتبنا وما كتب غيرنا من جادة القوم عن هذا الأمر بمنهجية ودليل مسبّب. بل أمامكم الدليل نفسه، لحما ودما، ممن تعج بهم سجون حكامنا (الوطنيون) الآن من سجناء الرأي، منهم بالأمس القريب عجزى ومرضى في نهاية العقد التامن من العمر.

هذا وقد سطّر أحد الأقلام الراتبة في مثل هذا الوقت من العام الماضي نقدا مبطنا لمن كتبوا متحسرين على ضياع المكاسب التي تركها لنا المستعمر من مشروعات قومية ناجحة تم تدميرها في عهد الحكم (الوطني)، مذكرا إياهم ب (الحُريّة) التي نالها الشعب من المستعمر. وكيف أنها أهم من كل ما عداها من مكاسب. وتساءل لماذا لم يحتفوا بها؟ وكيف أنه لم "تندى لهم دمعة" على كسبنا لهذه الجوهرة الثمينة من الإنجليز. رددنا عليه وقتها؛ ولابد أنه واجدٌ في هذا المقال ما يشفي غليله أيضا. فمبدأ (الحُريّة) أوّل. نتفق عليه، و نأمن على ذلك دون قيدٍ أو شرط. ولكن كيف فرّطنا في هذه الجوهرة الثمينة؟ هذا هو السؤال؟

التفريط الأكبر: العَرَض والمَرَض
ولعل أكبر تفريط في حرية الأمة الوليدة هو التفريط في نظام الحكم الديمقراطي؛ وكيف تواطأت على ذلك كل النخب السياسية – على مر الحقب - مما يجعل مهانة اليوم التي يتعرض لها الناس في وطننا عَرَضا من أعراض هذا التهاون، إن شئت. وهنا تتحمل الطائفية قدرا معتبرا من هذا الوِزر يشاركها فيه أساطين النخب السياسيية جميعهم دون فرز. فقد فزع الأزهرى والمحجوب لعباءة الطائفة في بواكير الاستقلال في الخمسينات دون مبرر. وسلّم سكرتير الأمة (الطائفي) السلطة لعسكر عبود دون مبرر. ثم تواطأ الجميع في نحر الديمقراطية في محرابها بطرد الحزب الشيوعي من البرلمان في ستينات القرن الماضي ومخالفة أمر المحكمة الدستورية التي حكمت ببطلان الأمر. وسرعان ما تحول رئيس السلطة القضائية وقتها الى انقلابي هو الآخر ينظِّر لدكتاتورية نميري وصناعها والذين لا زال بعضهم بين ظهرانينا يشهدون نتائج أدمان الفشل الذي برعوا في وصفه. قاد هذا الى حقبة الثمانينات وسرقة انتفاضة الشعب بانتهازية نما في ظلها غول الإسلام السياسي والذي مهّد ونقّذ ما نحن فيه الآن من خراب تام . بعبارة أخرى فغياب الحكم الديمقراطي هو المرض وما عداه أعراض.

حصاد الحكم الوطني
أكملنا كشعب الآن ستين عاما من حكمنا (الوطني). فدعنا نقارن ما استلمنا من المستعمر بما صار عليه أمرنا الآن. استلمنا بلدا من المستعمر فيه خدمة وطنية تعمل بل ويعتد بها يقوم عليها اداريون وفنيون أكفاء مدربون تدريبا شهدت به أمم في الجزيرة العربية بنت نهضتها على أكتاف هؤلاء؛ ومؤسسات وطنية رابحة وعاملة ونظام تعليم وصحة وإن يكن محدودا. بلد فيه نهر من أطول الأنهار في العالم وأكبر مشروع زراعي ناجح يروى انسيابيا في العالم وفيه ثاني أطول خطوط للسكك الحديدية في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا تعمل بدقة. وفيه ثروة مائية هائلة وناقل بحري يجوب بحار ومحيطات العالم. وفيه قوات نظامية على قدر معقول من التدريب والتأهيل مما جعلها معلمة لبعض دول الجوار في هذا الصدد. بلدٌ تساوي مساحته كل مساحة دول أوربا الغربية بل تفوقها. بلدٌ به من الموارد الطبيعية ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر. بلد فيه عملة وطنية ثابتة وذات قيمة تفوق قيمة الدولار الأمريكي وقتها. بلد مكتمل الأطراف فيه مثلث حلايب والذي هو أكبر مساحة من مساحة خمسة دول مجتمعة تشمل قطر وسنغافورة وهونق كونق والبحرين ولكسمبورغ. بلدٌ مساحته، باستثناء السودان الجنوبي الذي كان جزءا لا يتجزأ منه، والتي هي 1.886 مليون كيلومتر مربع، تقترب من مساحة خمس دول كبرى مجتمعة، هي المملكة المتحدة وفرنسا والمانيا وايطاليا واليابان. بل لعل السودان أغنى من أيٍّ منها مواردا في سطح الارض وفي جوفها بخيراته في البوادي من أرض شاسعة خصبة وبحارٍ صالحة ومالحة. فما هو حصاد حكمنا (الوطني) حتى الآن؟

في البدء اندلعت الحرب في الجنوب بين أبناء الوطن الواحد على مشارف الاستقلال مباشرة لتصبح أطول حرب أهلية في أفريقيا. ورغم الهدنة القصيرة نسبيا عقب اتفاقية السلام في اديس أبابا في عام 1972 اندلعت حرب أخرى امتدادا للأولى زهاء العشرين عاما لتنتهي بانشطار القطر الى قطرين في التاسع من يوليو 2011 عقب الاستفتاء الشهير في فبراير من ذلك العام. وعلى الرغم من أن بذرة الخلاف قد بذرت قبل خروج المستعمر لأسباب يطول الخوض فيها إلا أن مسلك قادتنا (الوطنيون)، بلا استثناء، قد زاد من شقة هذا الخلاف بدلا من رأب الصدع. فسياسات الحكومات (الوطنية) المتعاقبة فيما يخص الجنوب ومسلكها التفرقي كانت حجر عثرة على الدوام في طريق تقريب الشقة بين أبناء الوطن الواحد. فقد تجاهلوا مطالب أهل الجنوب في الحكم بل وظلموهم في التنمية والوظائف وفرقوا بينهم. ثم شنوا عليهم في النهاية حروبا دينية يقوم عليها فلاسفة اسلاميون حركيون يغسلون أدمغة البسطاء بحكاوي عرس الشهيد الذي حولوه في أخريات أيامهم الى فطيس - هكذا بفقه الضرورة. وكنتيجة مباشرة لهذا الخبل مات وتشرد الملايين من الأبرياء وانشطر جزءٌ عزيز من الوطن وذهب معه قومٌ كرماء شجعان فيهم نقاء وبهاء وجمال فى خلقهم وأخلاقهم؛ يشبهوننا ونشبههم في كل شئ بل هم لحمنا ودمنا وإن كره العنصريون!

ذهبت الفشقة أو كادت وذهب مثلث حلايب قبل ذهاب الجنوب. واندلعت حرب أهلية في غرب البلاد هذه المرة في دارفور ولا زالت تستعر لما يفوق العقد من الزمان وليس هناك حلٌ في الأفق. وقد تفتقت عبقرية حكامنا (الوطنيون) عن وقود من نوع آخر لهذه الحرب الجديدة لكون الدين واحد والرب واحد هذه المرة ولا يمكن استغلالهما كوقود. فباتوا يلعبون على أنغام الجهوية وسياسة "فرّق تسد". مات مئات الآلاف وتشرد الملايين ما بين نزوح داخلي وخارجي وعمّت االفوضى وانعدام الأمن والطمأنينة كل أرجاء غرب السودان، زاحفة الآن على كردفان الكبرى وبقية أرجاء القطر.

وكأن هذا لا يكفي فقد ترك جرح الجنوب النازف جروحا أخرى نازفة أيضا في جنوبٍ جديد: في كردفان والنيل الأزرق وحرب ودمار من نوع آخر لا زالت تستعر ويتفشر زبانيتها بصيف حارق كل مرة. هذا حصاد حكامنا (الوطنيون) منذ الاستقلال في باب واحد فقط - الأمن القومي. أما حصادهم في المجالات الأخرى فلا يقل قصورا؛ وقد عددنا أوجه قصوره في مقالات سابقة منشورة يمكن مراجعتها في موضعها. وقد حصرنا أوجه القصور في حكومة اليوم والتي بقي عليها في دست الحكم أكثر من ربع قرن من الزمان ونضجت في عهدها وبفعلها أو عجزها كل بلاوي البلاد قديمها وحديثها. ولا زالت ترنو للمزيد من الوقت بشتى الوسائل والألاعيب لتكتب لنفسها عمرا جديدا تخلف به هذا الخراب.

الفقر عبودية
تكسير المنشآت القومية الناجحة مثل مشروع الجزيرة العملاق والسكك الحديدية التي قلّ مثيلها في كل أفريقيا وقتها والنقل النهري والخطوط البحرية والخطوط الجوية السودانية وغيرها من المنشآت القومية وتدمير الخدمة المدنية والتي أفرغت من آلاف المؤهلين بفقه (التمكين) هو مصادرة ل(حريّة) الأمة وإن يكن بصورة غير مباشرة. فمن حُرم من كسب العيش الشريف في وطنه أو حُرم أبناؤه فقد مُنعت عنه أحد أهم دعامات (الحُريّة) وحُرمت أسرته الممتدة أيضا. ومن سُرقت مؤسساته العامة أو دُمرت بفعل الفساد فقد زُج به في غياهب العوز والفقر والحاجة. والفقر عبودية – يا مُؤمنين. فقد نُسب الى علي بن أبي طالب قوله: "لو كان الفقر رجلا لقتلته". والى عمر بن الخطّاب قوله: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" نعم الفقر عبودية رغما عن أنه ليس فيها طلب من أحد أن ينزل من دابته متى ما صادف ركب جناب المفتش الانجليزي المتغطرس ولكن فيها مصادرة على رؤوس الأشهاد للدابة نفسها دون وجه حق. ومصادرة ل(حُريّة) صاحبها بصورة غير مباشرة. وإذا كان صاحب الدابة يحمل رأيا سياسيا مختلفا عبّر عنه سلميا بما لا يروق لأهل المؤسسة القابضة فستصادر (حُريّته) مباشرة ويزج به في السجون دون محاكمة؛ هذا إذا لم تصادر حياته نفسها.

وبهذه المناسبة نحيي شهيد الفكر الأستاذ محمود محمد طه في الذكرى الثلاتين لإغتياله والتي تهل علينا بعد أيام؛ فقد اغتيل على أيدي حكومة عسكرية وطنية كان النائب العام فيها وقتذاك هو راعي حكومة اليوم وعُرّابها ومن ينظِّر لنظامها الخالف الآن. أما من تمّ التعدي على (حرياتهم) وحقوقهم الأساسية في عهد حكومة اليوم (الوطنية) فلا يتسع هذا المقال القصير لذكرهم ولو اختصارا. فأين (الحُريّة)؟ وكيف سكتنا على اغتصابها المتكرر كل هذه السنين، هكذا وفي الغرفة المجاورة؟! وأي (حُريّة) التي نحتفي بها ؟ ثم اذا كانت هناك (حريّة) في سودان اليوم، فما هي الحاجة ل(نداء السودان)؟ ومن بالسجون اليوم مالهم محبوسين تعسفا وجناب المفتش الأنجليزي المتغطرس "مَرَق" من بلدنا زمان - الى غير رجعة - قبل ستين سنة وليس له رغية في العودة لاستعمارنا حتى ولو طلبنا منه ذلك.

ثم كيف نحتفي بذكرى استقلالنا الستين ويحكم بلادنا اليوم شخص واحد؛ محدود القدرات، يقترب في مدة حكمة من نصف مدة استقلالنا؟ علما بأنه لا يوجد دستور في عالم اليوم يسمح لرئيس دولة أن يبقى في دست الحكم أكثر من دورتين لا تتعدى الواحدة خمس سنوات؛ هذا بصرف النطر عن أنه أتى للحكم على ظهر دبابة. كل هذا وهناك أرتالٌ من حملة الألقاب العلمية والإعلاميين الجدد والمخضرمين منهم من يتشدق ب(الحُريَّة) ممن يحيطون به ويزينون له ما يفعل فعلا وقولا ناسين ما سيقول عنهم التاريخ. أنهم أرقاء القرن الواحد والعشرين لو كانوا يعقلون!

حِماية (الحُريّة)
مبدأ (الحُريّة) أول. لا تأويل ولا تحوير فيه. بل هي حقٌ أساس لكل الناس كحق الحياة. فمن أراد أن ينعم بلده بخير (الحُريّة) عليه أولا حمايتها والدفاع عنها واقفا – دون انحناء. بل وأن يكون على استعداد للموت في سبيلها. وبهذه المناسبة ندعو الجميع أن يتقدموا بتهاني العام الجديد لكل من قضى لحظات بزوغ فجر الاستقلال الستين هذا أو ما قبله في الحبس؛ ولكل من اعتدوا على حق من حقوقه الأساسية. فقد فرّطنا في حقهم في (الحُريّة) في صحيحها بتهاوننا وعبوديتنا التي ارتضيناها للاستعمار (الوطني) الجديد. نعم لم يكن هذا استقلالا. بل هو وأدٌ (للحُرّية) وإن شئت الدِقّة فهو استعمار جديد يصادر الرزق والدواب و"يورور" لأصحابها في عيونهم نهارا جهارا بأن يموصوا وثيقة (نداء سودانهم) الذي يحلمون به ويشربوا ماءها. والما عاجبه يلحس كوعه!


محاور أساس للخروج من الأزمة
ليس هناك عصا سحرية. وقد بلغ الأمر درجة من التعقيد تحتاج الى عقول نافذة ونضجٍ سياسي لا زال الوطن في انتظاره. فمسئولية الخروج بالوطن من هذه المصائب التي تحيق به من كل جانب مسئولية تاريخية يتحمل وزرها الجميع. ففي وقت تتخفى فيه الحكومة وراء ألاعيبها السياسية المعهودة يختلط الأمر على المعارضة التي باتت سهلة الانخداع بكل بارقة سراب. فهي لا زالت بين المنزلتين في توحيد الصف وقيادة نزالها الحتمي مع نظام حكمٍ معطوب عطباً لا يمكن اصلاحه. فما هو الحل؟ هل يقف الجميع حيارى الى أن تقع الواقعة (وكأنها لم تقع بعد) أم نعمل العقل في استنباط الحلول الجادة والمستدامة في آنٍ واحد.

محاور الأساس للخروج من هذه الأزمة ممكنة التحقيق أذا توفرت لها الشجاعة وبعد النظر والمسئولية التاريخية لدى الجميع، حكومة ومعارضة. وأدناه ما نرى من هذه المحاور في حدها الأدنى (نكرر في حدها الأدنى):

1.
أن تتحمل حكومة اليوم وِزْرها كاملا وأن تعترف بالفشل التام في إدارة البلاد. بل وأن تسلّم أمر الحكم لصاحب الحق – الشعب السوداني قبل فوات الأوان. فليس هناك مخرج آخر لو كانوا يعقلون. فقد انتهى الحفل يا سادة ووضح للكل ما تحيكون في الظلام من خَلَفٍ لنظامٍ تالف فَقَد الأهلية والصلاحية - إن كانت له أصلا أهلية أو صلاحية. و ما حواره الوطني إلا تمويه جديد لخديعة أخرى.

2.
الاعتراف الكامل، أيضا، من (المعارضة) بضعفها التنظيمي؛ فالمعارضة التي تفشل في تغيير حكومة فاسدة وعاجزة تتحمل مسئولية فشلها بالقدر الذي يليها من هذا الفشل. فللقوى المعارضة أوزارا هي الأخرى. وهي منقسمه في وقت تجب فيه الوحدة التامة.

3.
أن ترتقي قيادات المعارضة لمستوى المسئولية السياسية الملقاة عليها وأن تعمل جادة في إعادة ترتيب احزابها "الديمقراطية" طوعا ودمجها في كيانات قليلة تلتقي في ثوابت راسخة مثل ضرورة الدولة (المدنية) ودستورها (المدني) الذي يحترم العقل والدين معا ويرتكز على نظام الحكم الديمقراطي الذي يتوق اليه الجميع؛ بل ويتشدق به حتى أصحاب المشروع الحضاري أنفسهم.. فلا يعقل أن يكون لدينا أكثر من سبعين حزب سياسي مسجل - سبعين وليس سبعة؛ هذا عبث لا طائل منه. خاصة ونحن في وضع تتذيل فيه بلادنا الأمم في كل مؤشرات النمو. وقد يقول قائل هذا تغوّلٌ على حق أصيل من حقوق الناس في تنظيم أنفسهم كيف شاءوا. ونقول ليس بالضرورة؛ فمتطلبات المرحلة الحالية للخروج بالبلاد من أزمتها المستفحلة لابد لها من اعتبار يستلزم اجراءات "فوق العادة"؛ وطالما كانت هذه الإجراءات (طوعية) ينتفي معها الاكراه أو التغول. لقد آن الأوان للمعارضة أن توفي بنذرها للشعب الذي عقد عليها آمالا عراضا.

4.
أن تعي الحركات المسلحة مضار التشرذم الذي كلفها الكثير وأن تتوحد فعلا وعملا واضعة ثقلها السياسي مع بقية قوى (نداء السودان) في تمثيل سياسي فعّال يضمن وحدة الصف ووحدة بلادنا. وأن تنحى عن الأتفاقات الثنائية التي هي شراك لصيد البسطاء من هواة السياسة.
5.
أن يعي كل من اختار المنفى مسرحا للنضال أن فعالية نضاله، سلميّا، في الداخل أكبر بكثير منها خارجيا. فما يقوم به شباب حزب المؤتمر السوداني مثلا في الخطوط الأمامية أصدق دليل على أن نضال الداخل أكثر فعالية. بل إن منهجهم أصبح مثالا يحتذى به في المقاومة الديمقراطية المسالمة في صحيحها. فالاستنارة هي أقصر طريق للتغيير وإن بدا طويلا للمستعجلين. والالتحام بالجماهير والعمل السلمي معها ومن خلالها هو أنجع وسائل الاستنارة - وهذه تقود مباشرة لتِلْك. ولعل في تجربة المهاتما غاندي تذكرة للكل أن المقاومة السلمية النافذة أنجع من كل ما عداها.

6.
التركيز على الشباب وتقديمهم للصفوف الأمامية في قيادة عجلة التغيير وتدريبهم سياسيا وقياديا؛ فهم زاد المستقبل وهم الأقدر على فهم حاجة العصر. .

7.
الوعي التام بمتطليات التغيير الأمنية والهيكلية والإدارية والقانونية والأقتصادية وضرورة استنباط خطط فعّالة لمواجهة الدمار الأقتصادي المستتر حاليا. وأن يستنبط أيضا برنامج فعّال لترغيب المهاجرين في العودة للوطن الأم وخاصة أهل المهن والصنائع ممن لا تقوم قائمة لنهضة حقيقية بدونهم. فقد آن أوان التعمير والذي يتطلب العلم والإلمام بتجارب الأمم الحيّة.

8. (
التعليم) وضرورة إصلاحه إصلاحا جذريا وعاجلا؛ فما عندنا اليوم لا يفي بحاجة العصر ولا يناسبها؛ بل لا يتعدى في بعض أهم جوانبه كونه دثارٌ للجهل كما يبين ذلك في اللغات والرياضيات والمقدرات التحليلية والتواصلية (communication) كمثال فقط.

9.
الانفتاح على محيطنا المحلي في الجنوب أولا والشرق والغرب وعلى العالم الخارجي بوعي وحصافة سياسية ودبلوماسية تستثمر رأسيا (leverage) وضعنا الاستراتيجي في المنطقة وموارد بلادنا المهولة التي لو أُحسنت ادارتها لعادت على البلاد والعباد بالخير الوفير. السياسة الخارجية والانفتاح الواعي في ظل نظام ديمقراطي مستقر وَحْدَه كفيلٌ بنقلنا للأفضل نقلاتٍ نوعية في زمنٍ قصير نسبيا.

10.
وأن يتذكر الكل دوما مقولة د. مارتن لوثر كنق الشهيرة أنه " لا يستطع أحدٌ أن يمتطي ظهرك إلا إذا أنحيت"!!


-----------------------------------------------------------------------------------------------------
"*"
المصدر لبعض مادة هذا المقال مقالات سابقة للكاتب في الشأن السياسي منشورة في عدة وسائط اسفيرية. الكاتب مهندس مدني يعمل رئيسا تنفيذيا (CEO) لشركة خبراء هندسية في المهجر.