من أحقُّ بالكيّ ؟؟ بقلم عمر الدقير

تراجيديا المنفى والغربة والموت بعيداً عن الأوطان ضاربة الجذور في أعماق التاريخ وقارعة الجغرافيا، فقد كان النفى والتغريب عن الوطن عقاب الطغاة للمعارضين والمغضوب عليهم وكان من أشهر ضحاياه في التاريخ البعيد شاعر الحب أوفيد الذي نفاه الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر إلى مكانٍ تتداخل فيه الفصول وتختلط فيه التقاويم. كذلك شاع في الحقبة الإستعمارية نفي الزعماء الوطنيين المطالبين بالإستقلال إلى جزرٍ نائية في المحيطات لإحكام السيطرة عليهم ومنع تواصلهم مع شعوبهم .. في السودان استلهم قادة الإنقاذ ذات النهج اللئيم حين كانوا يتعمدون ترحيل المعتقلين السياسيين إلى سجونٍ في مدنٍ تبعد كثيراً عن مناطق سكناهم إمعاناً في القسوة عليهم، إذ يضيفون إلى ظلام السجن ووحشته حرمانهم من العواطف الإنسانية التي يتزودون بها خلال زيارات أحبائهم لهم وحرمانهم من إدارة شؤون أسرهم حتى ولو كان ذلك عبر قصاصات الورق التي ينقلها الحراس بين الزنازين وبوابة السجن الرئيسية .. ثمّ كان أن أعملوا سيف الفصل والتشريد في الخدمة العامة بشقيها المدني والعسكري، عبر ما عُرف بسياسة التمكين ليجبروا الآلاف على مغادرة وطنهم بحثاً عن ملاذٍ آمن وأسباب عيشٍ كريم في أصقاعٍ بعيدة.

لا يزال قطار الحكم "الإنقاذي" لزيم السياسات الفاشلة، يندفع بقوة القهر حاملاً معه أختام الأحزان المديدة، يصادر الحرية ويغتال الكرامة، يجرف الفرح ويجتاح الأمل، يخاصم أغنية الحياة وينحاز لأنشودة الموت وتراجيديا المراثي!!

لا أخال سودانياً صميماً إلا وقد لفّه الحزن وهو يطالع في الأخبار وفاة عشرين من بني جلدته (عليهم رحمة الله) في البحر الأبيض المتوسط على تخوم الشواطيء الإيطالية خلال محاولة لجوئهم التراجيدي إلى حيث المدى الأوروبي ينفتح لهم وهم في أقصى درجات النفي والتشتت .. ليموتوا هناك في مياهٍ باردةٍ بعيداً عن أرض وطنهم وشمسه الدافئة وأقماره الناعسة ونيله الممتد !!

أي نظامٍ جائرٍ هذا الذي يقذف بأبناء وبنات هذا الوطن هرباً من واقعٍ غاشم إلى وحشة المنافي البعيدة، فلا يصلون .. وهناك، في منتصف المسافة، يقضون غرقاً وحسرةً، وفراراً من وطنٍ تحول إلى جحيم، ولم يعد فيه مكان آمن يمكن النوم فيه باستغراق غير القبر، حتى لو كان قبراً في قاع بحر.

يروي الشاعر البحريني قاسم حداد أن النساء في بلده كن يعاقبن البحر بكيّه بسعف النخيل المشتعل، وذلك عندما يأتيهن نبأ موت قريبٍ لهن بعد رحلة غوص بحثاً عن اللؤلؤ في مجاهيل البحر وزرقته المترامية .. ترى من أحقُّ بعقوبة الكيّ من قِبَل أولئك النساء السودانيات المفجوعات ؟؟؟

لم يعلق أحدٌ من المسؤولين الإنقاذيين على هذه الحادثة المأساوية، ولا عجب فذلك، فهم يرجون إبقاء الحال على ما هي عليه بحيث نراوح أعواماً وربما عقوداً في المدار المظلم ذاته، ويستمر السودانيون محبوسين في مأزق علاقة وطنهم بالخبز والحرية .. لكن هيهات، فكل هذا لا بدّ أن يزول.

إرادة الحياة باقية وحتماً سنتنصر.