عمر الدقير : صلاحيات الجهاز وغطاء الزجاجة الفائرة

on .

عمر الدقير

خلال العقود التي تلت مرحلة التحرر من الاستعمار، أُبتليت كثيرٌ من شعوب العالم الثالث بأنظمة الحزب الواحد، ذات الطابع الاستبدادي والرئاسات الأبدية، والتي اعتمدت على القبضة الأمنية ولم تتورع عن استخدام العنف المفرط في مواجهة المعارضين لسياساتها .. وفي سياق الدفاع عن تلك النظم وتبرير استمرارها في الحكم، شاع في بعض البلدان العربية تشبيه النظام الحاكم بغطاء الزجاجة الفائرة، بما يعني أنَّه في حالة إزاحته سينسكب كلُّ ما في الزجاجة ويتفرق ولا يعود بالإمكان جمعه مرةً أُخرى، وذلك بالنظر إلى ما كان يعتمل في تلك البلدان من صراعٍ في الرؤى والمواقف بين فصائل سياسية وكيانات مذهبية مختلفة.

ليس هناك ثمة اعتراض على وجود جهاز أمن قوي ومؤهل لحماية الوطن، لكن الاعتراض على الصلاحيات التي تسمح له بانتهاك الحريات والحقوق الأساسية، كيفما يروق له، خدمةً للسلطة الحاكمة.

من الواضح أن اللجنة البرلمانية التي ترأستها السيدة بدرية سليمان قامت بـ “تظبيط” صياغة التعديلات الدستورية الأخيرة – وتحديداً الخاصة بصلاحيات جهاز الأمن – إستناداً على أطروحة غطاء الزجاجة الفائرة” .. حزب المؤتمر الشعبي الذي انتدب نفسه للدفاع عن الحريات في حوار الوثبة وذهب إلى حدِّ ربط مشاركته في حكومة ما بعد الحوار بإجازة توصية الحوار الخاصة بصلاحيات جهاز الأمن كما هي “دون حذف شولة، فإنه – بعد إجازة التعديلات دون الأخذ بتلك التوصية – لم يجد تبريراً لمشاركته في تلك الحكومة غير اللواذ بذات الأطروحة الخادعة كما جاء في تصريح القيادي بالحزب، بشير آدم رحمة، الذي قال فيه: “التعديلات الخاصة بجهاز الأمن لم تأتِ كما يتمنى المؤتمر الشعبي، ولكنها يمكن أن تفسح مجالاً للعمل السياسي المنضبط حسب ظروف السودان الداخلية وفي ظل الوضع الإقليمي المتدهور من حولنا”، وقبله قال أمين عام الشعبي د. علي الحاج: “الحريات الآن كويسة” !! أما القيادي في الحزب كمال عمر، فقد استشاط غضباً بُعيد إجازة التعديلات لدرجة وَصْف موافقة حزبه عليها بالموقف “المُخزي”، وبلغ به الغضبُ حدَّ تقديم استقالته من أمانة الحزب العامة والاعتذار عن تمثيله في البرلمان، ولكن ما إنْ سكت عنه الغضب حتى ألقى ألواح الحريات جانباً ورضي من الغنيمة بالإياب وأدى القسم نائباً معيناً بالبرلمان !!

الزجاجة الفائرة وغطاؤها هي أطروحة داحضة تزدهر في عهود الحكم المستبد لتخذيل الناس عن مهمة المقاومة والبحث عن التغيير، وذلك بحشرهم بين ثنائية الاستبداد وعدم الاستقرار .. فإمَّا الاستبداد باعتباره ضامناً للاستقرار، وإمَّا التغيير المصحوب بالفوضى والخراب. هذه الأطروحة في جوهرها تريد جملةً من الأباطيل هي الترويع والتيئيس وشلّ إرادة التغيير لمصادرة المستقبل والتصالح مع واقع الاستبداد والخضوع لشروطه الغاشمة بدعوى عدم التفريط في الاستقرار، في حين أنَّ الاستقرار الحقيقي يعني سيادة الحرية والعدالة وكلِّ شروط الوجود الكريم.

وقَدْر ارتباط الأمل بالمستقبل، فإنَّ الفرار من معركة التغيير والتخلِّي عن مسئولية العمل من أجل الأمل يعني موت المستقبل والخروج من التاريخ، وهذا ما وَعَتهُ شعوبٌ كثيرة واجهت الاحتلال أو الاستبداد في سياقات مشحونة بمُحفِّزات الفوضى، لكنها ارتفعت إلى مستوى تحديات الأمل بتماسك قواها الحيَّة في جبهة عريضة رجَّحت ميزان القوى لمصلحة التغيير وتجاوزت عُسْر مخاضه وأوجاعه بالخروج إلى رحاب الحرية والعدالة والاستقرار.

لقد كُتب الكثير عن جدلية الحرية والاستبداد .. ومنذ سبارتاكوس في روما القديمة إلى آخر مقاوم للاستبداد، ظلت الحرية أكثر الأقانيم الانسانية قداسةً، لا يعادلها غير الحياة ذاتها، وأحياناً تتفوق على الحياة لأن هناك من يبذل روحه دفاعاً عن الحرية .. ولم يكن الاستبداد في يومٍ من الايام قدراً لا يمكن الفكاك منه، لكنَّ أسوأ ما يمكن أن يصيب الانسان – كما يقول الفيلسوف إريك فروم – هو أن تصبح الحرية عبئاً ثقيلاً عليه فيخاف منها ويتأقلم مع الاستبداد ويألف القيود على يديه وكأنها حِلْية.

من يطرحون ثنائية الاستبداد والاستقرار الكذوب باعتبارها قدٓراً لا مفرَّ منه، إنما يحاولون – عبثاً – حذف البعد الثالث وتجريد الشعوب من أنبل أقانيمها .. وهذا طرحٌ بئيسٌ يستخفُّ بإرادة الشعوب التي لا تعرف الارتهان الدائم للاستبداد، ولا ينسجم مع سنن التاريخ التي تؤكِّد أنَّ العبور إلى المستقبل المُحمَّل بشروط العيش الكريم هو وعدٌ قائم لكلِّ شعبٍ حي مهما عَمَدَهُ الشوق لذلك المستقبل وأضناهُ السهر انتظاراً لذلك العبور.