قراءة تاريخية في دفتر الاقتصاد السوداني‎

 

أ. سيف الدولة خليل

 

 

   هذا سفرنفترعه كمحاولة جادة لمقاربة موضوع الاقتصاد السوداني ماله وما عليه وما يجب ان يكون، ننهد لهذا الامر ونحن نكن كثيرا من المنة والتقدير لمن سبقنا في هذا المضمار من غير ان يعجزنا ذلك الامتنان عن رؤية ما في هذه المحاولات من تقصير من غير ان نغمطها اجر الاجتهاد. فقد سودت صحف وصحائف عن الاقتصاد السوداني المشكلات والحلول الا ان هذه المحاولات علي قيمتها البحثية والعلمية ،الا ان طغوان النبر الاكاديمي أو الايديولوجي يقدح في نجاعتها وتقاصرها عن تطبيب المشكلات الاقتصادية بالسودان فضلا عن عجز أهل السياسة والحكم غبوة او استسهالا لما يعانيه حال الاقتصاد وما يمكن ان يجره من ويلات ذات اثر سياسي واجتماعي وسيادي.

فالنبر الأكاديمي دوما ما يخرج بالمشكلات من الواقع ويحبسها قسرا في بطون الكتب مقيدا لها بمتون النظريات وحواشيها فتأتي الحلول باردة ميتة تجافي الواقع والوقائع دون ربط موضوعي بينها وطبيعة مشكلات اقتصاد السودان انسانا ، ارثا وفنا انتاجيا وواقعا اجتماعيا ففي افضل الاحوال يركن الاكاديميون الي نظريات اقتصادية منشؤها ومنتهاها ايدولوجيا الليبرالية الرأسمالية، وهي الايدولوجيا التي تنتهي الي ان الرأسمالية هي النظام الاقتصادي الافضل وان الديمقراطية الليبرالية هي المثل الاعلى للتطور السياسي وان الولايات المتحدة وبريطانيا هما النموذج الامثل ، فتكون القراءة لواقعنا منطلقة من منصة الغرب الرأسمالي كقاعدة واساس للقراءة والتحليل وكأساس لفهم المشكلات والمتغيرات الاقتصادية في بلد يعد من المتخلفين اقتصاديا. وننعى على النبر الاكاديمي هنا ان استشرافه لمستقبل الاقتصاد السوداني ونبوءاته الآجلة انطلقت من هذه النظرة المعطوبة، وفي هذا يستوي الاكاديميون واهل الزهو الايديولوجي من قبائل اليسار فكلاهما يعتبر ان حضارة الغرب هي قمة هرم التطور الانساني وما علي الذي تخلف عن ركب التطور الانساني الا ان يقترب من هذا النموذج الحضاري. ولعل الاتفاق الحادث بين الاكاديمين وايديولوجي اليسار ، ان الاخيرين ينطلقون من قالة ماركس في كتابه (رأس المال): ’’ ان الدول المتقدمة في ميدان الصناعة ترسم الطريق وصورة المستقبل للدول الاقل تقدما‘‘

اما النبر الايديولوجي ففي شقه اليساري فهو ايضا يخرج بمشكلات الاقتصاد السوداني من واقعها وحقيقتها حابسا لها في قسرية التحليل والقراءة الايديولجية التي ادخلت الامر كله في متاهة صراع طبقي متوهم ورأسمالية متخيلة وتوجه راسمالي مرتبط بالاستعمار !! في بلد لا زال السند والانتماء فيها للقبيلة والجهة ويغلب علي اقتصادها الندرة، البدائية والاكتفائية. اما في ضفة الايدلوجيا الاخرى فالمتاهة هنا تاريخية تقذف بأمر الاقتصاد كله في دهاليز الماضي وغيابة التاريخ استظهارا للعنعنات وقالات المتاحف الفقهية لتقف احصنة تحليلهم وقراءاتهم للواقع الاقتصادي عند مقولات مالك بن انس حول النقود واحكام القاسم بن سلام في الاموال ونظام اقتصادي متوهم.

هذا عن عجز الاكاديميين وعنة الايديولوجيين ، اما ثالثة الاثافي ثلة الساسة والحكام ، اصحاب النصيب الاكبر في خلق المشكلات الاقتصادية وتعميقها بلا مبالاة يحسدون عليها فهم حينا يستسهلون الامر، وحينا يغبون عنه ويحكمهم في استسهالهم ذاك وغبوتهم هذه تسيير امر حكمهم تشبثا باهداب السلطة. وهنا يكون الحزن والأسى حين تحيد انتهازية السياسة بكل ما فيها من تسطيح للامور وتغافل عن الحقائق الواضحة عن طريق الحلول الناجزة لمشكلات الاقتصاد السوداني. فحكومات السودان التى تعاورت السلطة ليست قليلة في عدها ، رغم ان مشكلتها واحدة وهي انها عجزت عن خلق نظام اقتصادي معافى ،فكل حكومة كانت مرجع ذاتها تأتي الي الحكم بلا ذاكرة تستصحب نجاحات واخفاقات من سبق، فكانت فجوة الذاكرة التي انعدم معها التراكم المعرفي والتجاربي فكان الاجداب والتبلد الذي عجز عن ايجاد التفكير الاستراتيجي لابتداع الحلول لمشكلة الاقتصاد السوداني. كل هذه الحكومات تجاهلت البعد الاقتصادي التوزيعي في مجال التنمية الاجتماعية وتناست ان الحكومة هي التوزيع السلطوي للموارد وتحديد قسمة الناس وانصبتهم فيما يلزمهم وفقا لاستحقاقهم وحاجتهم.حكومات تجاهلت ان لم تكن جهلت البعد الدولي للعملية الاقتصادية والتنموية ولم تنظر للهيكل الاقتصادي للنظام العالمي المعاصر فنظرت للدولة بمعزل عن متغيرات السياسة والاقتصاد دوليا واقتصاديا. حكومات عجزت عن ان تنظر للاقتصاد كناتج لاختيارات السياسة وفقا لما تتيحه من مساحة وظروف مثالية للاختيار. حكومات وقفت عند مدخلات النظام السياسي لا مخرجاته فاهتمت بالكل دون الجزء انزعجت بالناتج القومي، بقضايا البطالة، التضخم والادخار ووتعامت عن ماهية القطاعات المنتجة، ماذا تنتج لماذا، لمن، كيف وكم؟ غضت الطرف عن توزيع الانفاق وتوزيع الربح والمؤثرات الواقعة عليهما هكذا كانت الحكومات في ادارتها للاقصاد فكان الحشف وسوء الكيل.

اما نحن باضطلاعنا بتناول الاقتصاد السوداني فاننا ، لا نطرح المنتوج المعرفي الاكاديمي جانبا ولن نتجاوز الايدولوجيا وتجربة الحكومات ايا كان حكمنا عليها. فاننا نستصحبها زادا واداة نستعين بها في قراءتنا للواقع الاقتصادي السوداني دون ان تكعبل نهجنا ، الذي نريد له ان يكون وصفيا واقعيا مدخله التاريخ لايماننا بأن التاريخ عامل اساس في تفاعلات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وأن اي ظاهرة ايا كان ضربها هي ناتج لتفاعلات التاريخ طرف اصيل فيها، وكل حراك الانسان هو حاصل علة ونتيجة حيث لا فكاك لعلة عن معلول. اذا لا معدي من ان نعود بخيبة اقتصادنا الي جذرها فكما يقول كونفوشيوس ’’ ان اردت التنبؤ بالمستقبل تمعن في الماضي‘‘. ومن الواضح جدا ان الجهد الاكاديمي، الايديولجي والحكومي لم ينحى المنحى التاريخي أو البعد التاريخي كمدخل للتحليل والقراءة ومن ثم الوقوف علي السلبيات لتجاوزها والايجابيات لدعمها فضلا عن استنباط الحلول والرؤى.

وبالرغم من سيادة أدب التحديث في الخطاب الاقتصادي لدى اهل الاكاديميا والايدولوجيا والرسميين والذي بالضرورة ينطلق من نقطة الاقرار بواقع تخلفنا الاقتصادي هذا التخلف الذي يقتضي علاجه النظر والبحث في مظاهره ، سماته ونتائجه بل ويستلزم تعرضا ووقوفا عند اسباب هذا التخلف ومنوال تطور هذه الاسباب من ناحية تاريخية. الا ان الاكاديمين انكفأ معظمهم علي ما درسوه وما يدرسوه من نظريات دون ممارسة مقتضيات البحث في اسباب التخلف وتاريخها، والايديولوجيون ادخلوا هذا التخلف في علب الايدولوجيا علي طريقة الايدولوجيا هي الحل.اما من تنفذوا فأتخذوا من الاعيب السياسة وبلهوانياتها سبيلا لادارة ما بين ايديهم من شأن اقتصادي هروبا مؤقتا من ازمة استطالت واستعصت.

ونحن حين ننهج هذا النهج ونتخذه مدخلا لخلق رؤية خاصة لمعالجة اقتصاد بلادنا ننطلق من فرضية ان التخلف أو التقدم الاقتصادي هما ناتج سيرورة تاريخية لذا وجب بحث اسباب حدوثهما في اطار التطور التاريخي للمجتمعات البشرية المرتبطة بهما. فلم يكن التخلف الاقتصادي كما لم يكن التطور الاقتصادي قسمة وقدرا ازليا وسرمديا علي من تخلف او تطور. فمعظم بؤر التخلف في العالم كانت مراكز حضارية عريقة وقائدة اقتصاديا حتى لو قارناها بالبؤر المتقدمة اليوم لوجدنا ان هذه البؤر المتقدمة اقتصاديا لم تحتل موقعها المتقدم هذا الا قريبا. ولو نظرنا للتطور الغربي لوجدناه ناتج للثورة الصناعية التي ارتبط نجاحها واستمرارها بتطور ظاهرة الامبريالية العالمية المرتبطة بالنظام الراسمالي الذي ادى الي قسمة العالم الي فسطاطين فسطاط التقدم من ناحية وفسطاط التخلف من ناحية اخرى وما كان ذلك الا سيرورة تاريخية استصحبت حراكات فكرية، ثقافية،اجتماعية، دينية وسياسية.

باجرائنا لفحص تاريخي للاقتصاد في الدولة السودانية بدءا من المملكات المسيحية نلخص ما توصلنا اليه في ثبات حقيقة واحدة وهي انه رغم ان محاولات بناء دولة علي غرار الدول الحديثة ظلت تترى منذ آماد سحيقة في المنطقة التي نتعارف عليها باسم السودان ، الا ان معظم هذه التجارب لم تتعد حقيقة كونها ممالك او سلطنات قبلية تمثل تجاربا فاشلة لانموذج الدولة الحديثة . ورغم ان التاريخ قد دون فيما دون ان عددا من المملكات قد نشأ في التاريخ القديم كالممالك المسيحية (القرن السادس الي القرن الخامس عشر الميلادي) حيث ممالك (المقرة وعلوة) والسلطنات التي نشأت في القرن الخامس عشر وما بعيده كسلطنة دارفور، سلطنة المساليت ، سلطنة المسبعات وسلطنة الفونج الا ان سلطنتي الفور في مرحلتيها (1445-1875) و (1898-1916) والفونج ( 1504 – 1821) هما السلطنتان اللتان احتازتا علي مشروع الانبساط علي اراضي السودان والعلاقات الخارجية والسمت الاداري الذي يؤلهما لنتخذهما نموذجا للدولة التي يمكن ان نتخذها نموذجا لموضوع بحثنا عن تاريخ الاقتصاد السوداني.

الا ان ما ازمعنا فعله لا يعفينا من وقفة عند الممالك المسيحية التي كانت اساسا ورحما تخلقت فيه التشكيلات الاجتماعية وعلائق الانتاج التي تطور من عندها النشاط الاقتصادي فيما لحق من مشيخات قبلية ، ممالك وسلطنات. فالممالك المسيحية التي كان شمال السودان النيلي مسرحا لها كانت ملكا عضوضا قضى بوراثة العرش الملكي وتبعا لهذا النظام الملكي الوراثي انقسمت الشرائح الاجتماعية الي تشكيلتين اساسيتين التشكيلة الاجتماعية الحاكمة والتي تكونت من افراد الاسرة المالكة واقربائهم ومنسوبيهم متحالفين مع رجال الدين والكنيسة وتشكيلة اجتماعية أخرى هي تشكيلة المنتجين وتتكون من عامة الفلاحين والعبيد ومهمة هذه التشكيلة الانتاج وحماية المملكة. بناء علي هذا الواقع الاجتماعي لم يتجاوز النشاط الاقتصادي في عهد الممالك المسيحية النشاط الزراعي التقليدي على ضفاف النيل والرعى التقليدي في الاراضي التي تبعد عن ضفاف النيل.ولم تعرف الممالك المسيحية نشاطا تجاريا داخليا لسيادة روح الانتاج الاكتفائي للاستهلاك الذاتي بينما لم يكن التبادل التجاري الخارجي متسعا اذ كان يتم في حدود ضيقة للغاية مع مصر وبعض الدول والممالك القريبة من الحدود المصرية ولم يكن لهذا النشاط هدفا سوى تلبية الاحتياجات الكمالية للملك والاسرة المالكة. فيما عدا ذلك اتصفت علائق الانتاج بالسيطرة المطلقة للملك واسرته علي ملكية الاراضي الزراعية كمظهر اساسي متفرد للثروة وقد كان الملك هو الجهة الوحيدة التي تخصص مساحات من الاراضي لافراد اسرته ، الامراء والمحاسيب وبعضا من الاراضي للكنيسة فيما كان عامة الفلاحين والعبيد يقومون بفلاحة الارض والانتاج مقابل ضرائب عينية تدفع للملك والكنيسة. وعليه يمكن القول بأن طبيعة الاقتصاد في عهد الممالك المسيحية كان اكتفائيا لاشباع الحاجيات الاستهلاكية الذاتية وندرت فيه المبادلات التجارية لذا لم تعرف النقود او التبادل النقدي. ولم يكن النظام الضريبي يهدف للتوازن بين الايراد والانفاق العام وانما كان عينيا دون ان يوجه لتمويل برامج محددة للانفاق العام وبذلك يمكن الاجمال بأنه اقتصاد معيشي اعتمد علي الزراعة والرعي وفق علائق انتاج الاقطاع البدائي.

تقديما لاقتصاد السلطنات الاسلامية لا بد من الاشارة الي حقيقة هامة وهي ان هذه السلطنات لم تقم من فراغ وانما كانت تطورا طبيعيا للمملكات المسيحية في الشمال ، فقد سبق قيام هذه السلطنات وفود هجرات عربية تصاهرت مع مكونات الممالك المسيحية السكانية وكونت وجودا قبليا انتسب للعروبة ، هذا الوجود القبلي انشأ مشيخات قبلية يحكمها زعماء قبليين مما خلق واقعا اجتماعيا جديدا اضفى مظاهر جديدة علي الفكر والممارسة الاقتصادية التي سادت المشيخات القبلية قبل ان تجتمع وتتحالف في كيانات السلطنات الاسلامية التي نشأت فيما بعد. فقد بدا تأثير الثقافة العربية علي التشكيل الاجتماعي والفكر الاسلامي علي المعاملات الاقتصادية فتبعا لهذا الفكر زال نظام الوراثة الملكي لتحل مكانه تقاليد وهرمية الحكم القبلي العربي ليكون شيخ القبيلة وزعيمها رأسا للهرم ويليه مشائخ ادنى منه علي رأس البطون والعشائر. وعندما تكونت السلطنات بتحالف هذه المشيخات اصبح السلطان قمة للهرم كسلطة سياسية ودونه شيوخ القبائل ودونهما شيوخ البطون والعشائر والمناطق مع وجود تشكيلة اجتماعية اخرى هي العلماء ورجال الدين الذين يتمتعون بوثيق العلائق مع السلطان والمشائخ القبليين والعشائريين. هذا بشأن التشكيل الاجتماعي أما الفكر الاسلامي فقد ساد في المعاملات الاقتصادية وقد ظهر بجلاء في التطبيقات الاقتصادية في سلطنتي الفور والفونج واللتين كانتا عبارة عن تحالف أو اتحاد كبير من مشيخات وقبائل ما بعد الممالك المسيحية. فقد تطور الفكر الاقتصادي الذي ساد في عهد الممالك المسيحية نحوا ما وبمرجعيات اسلامية كما هو الحال في النظام المالي والضريبي فاصبحت الزكاة عوضا عن ضريبة الثروة، والخراج عوضا عن ضريبة الدخل، والمكس ضريبة جمركية وكان تحصيل الضرائب في غالبه عينيا كما كان عليه الحال في الممالك المسيحية وكذلك ظلت السياسة الضريبية بعيدة عن خلق التوازن بين الايراد والانفاق العام. ورغم هذه الاحداثات الا ان الاساس البدائي للاقتصاد ظل كما هو من ناحية الفن الانتاجي والادوات المستخدمة للانتاج خاصة في مجال الزراعة واصبح هنالك نشاطا تجاريا غير ما كان عليه الحال في عهد الممالك المسيحية فقد شهدت فترة السلطنات قدرا مميزا من النشاط التجاري الخارجي رغم ما اخذ عليه من انه كان في غالبه كمالي ولمصلحة شرائح محدودة - كما كان عليه الحال في المملكات المسيحية – وقد عاقت ازدهار ذلك النشاط التجاري الخارجي عدة عوامل من بينها الاحتكار، الكمالية، مشاكل التخزين، المواصلات ، وعورة الطرق وعدم امانها. رغم ان هنالك فترات في عهود سلطنتي الفور والفونج قد شهدت ازدهارا كبيرا للتجارة خارجيا وداخليا لانحسار قبضة الاحتكار السلطانية عن التجارة وقد تميزت سلطنة الفونج عما عداها في ازدهار التجارة الخارجية.

ففي سلطنة دارفور في مرحلتيها (1445-1875) و (1898-1916) اعتمد النشاط الزراعي علي الزراعة والرعي والصيد ، ففي الزراعة اعتمدت السلطنة انتاج الذرة بانواعها ، الدخن، السمسم، الفول، الصمغ العربي والتمباك اعتمادا علي الامطار. وفي الرعي ساد رعي الإبل والأبقار وغير قليل من الضأن والماعز. وقد كانت ملكية الأرض تخضع لنظام سلطاني يعتبر الارض ملكا خاصا للسلطان يقسمها كحواكير مقابل خراج محدد وفقا للشريعة الأسلامية والأعراف المحلية واحيانا تكون الحواكير هبة من لدن السلطان لمن يختاره. وقد غلب علي الانتاج الزراعي والرعوي النمط الاكتفائي.

اما التجارة الخارجية فقد كانت تقتصر في غالبها مع مصر وقد ازدهرت حينا ما الا انها تدهورت حينما غدت محتكرة في غالبها للسلطان فأضعف ذلك التجار الذين يحاصرون بالضرائب والأتاوات وقد اتصفت التجارة في سلطنة الفور بالسمت الكمالي الخاص بالسلطان وحاشيته وقد ساعد النمط الاكتفائي لاهل دارفور في سيادة التجارة الكمالية وذلك لمحدودية الحاجة.لم يكن النقد معروفا وقتها لذا اتخذت السلطنة بديلا للعملات النقدية الاراضي لدفع الاجور، الرقيق والدمور وغيره من أدوات. ولقد اعتمدت السلطنة علي المنتوج المحلي لتطوير صناعات النسيج والحياكة،الدباغة و الأحذية ، السمن والزيوت فضلا عن ازدهار الصناعات الحرفية كالحدادة، النجارة، وصناعة الفخار. 

وقد تراكمت الثروات في ايادي السلاطين المتعاقبين فبموجب قانون دالي فان عشور الزكاة ، الصدقات، الفطرة من نصيب السلطان اضافة للعشور، الضرائب المفروضة علي الحرفيين، جراية المملكات التي تتبع للسلطنة وهدايا اصحاب الحواكير.

وقد اسهم النمط الاقتصادي السائد في سلطنة الفور علي افراز نظام اجتماعي اتسم بالطبقية هونا ما ، فقد عرفت دارفور طبقة السلطان واقربائه وحاشيته وحكام الأقاليم والدمالج والمقاديم والشراتى، طبقة اصحاب الحواكير، التجار الذين يشاركون السلطان احتكار التجارة، العلماء، ارباب الصنائع والمهنيين كالنجارين، الحدادين والدباغين، المزارعين فالرقيق.

وقد عانت طبقة المزارعين الأمرين في عهد سلطنة الفور فقد كانوا مثقلين بالضرائب بنوعيها الشرعي والعرفي، فقد كان مفروضا عليهم ان يدفعوا الزكاة ، الفطرة ، وما يحدد من ضرائب واتاوات أخرى، ورغم انهم المنتجين الفعليين الا ان فائض انتاجهم يذهب جله إلى السلاطين وأقربائهم أو للعلماء وحكام الأقاليم أو ملاك الحواكير فضلا عن ان عدد كبير منهم كانوا يخدمون بالسخرة للسلاطين، الحكام والعلماء فعاشوا في فقر ومسغبة.
ومثلما عانت طبقة المزارعين ففي قعر السلم الاجتماعي عانت طبقة الرقيق الذين كانوا يعملون وفقا لعلائق الانتاج العبودية التي تقوم علي العمل مقابل المعيشة، وقد استخدموا في الجيش، وكسلعة تصدر ووسيلة للدفع فكانوا مصدرا اساسيا من مصادر تراكم ثروات السلاطين والتجار.

ولعله من الواضح جدا ان التجار لم ينمازوا بتوصيف او مكانة طبقية مستقلة وذلك يرجع الي ان التجار العاملين بالتجارة قلة ممن يحسبون في معية السلطان المحتكر للتجارة – باستثناء العهد الثاني للسلطنة (1898-1916) - وغيرهم قد حوصر بالضرائب والمصادرة وبما ان النشاط التجاري كان تحت الرقابة المباشرة للسلطان فلم تنمو طبقة تجارية بالقدر الذي يجعلنا نتحدث عن تطور وازدهار رأسمالية تجارية أو تراكم رأس مال تجارى. 

رغم الاشارة الي الطبقات في دولة الفور يجدر بنا توضيح ما عنينا ب (طبقات)، آخذين في اعتبارنا ان النمط الاقتصادي السائد في سلطنة دارفور وما تبعه من تفاوت اجتماعي اشتهرت به اقتصاديات افريقيا قبل مجئ الاستعمار لا يماثل المفهوم الطبقي بالمعنى الحرفي لما قال به المراكسة توصيفا للتفاوت الاجتماعي في اوربا بعيد الثورة الصناعية أو آسيا أو نمط الاقتصاد الخراجي.

فالاقطاع الذي ساد سلطنة دارفور اختلف نوعا عما هو عليه الحال في اوربا فقد كان السلطان يقطع الاراضي ملكية، هبة، اجارة للاعيان والعلماء، الذين يعمل بعضهم علي استغلال غيره للعمل في اراضيه او يمنحها لهم اجارة وهي في غالبها مساحات صغيرة لا تجعلها مصنفة كاقطاعية تضاهي اقطاع اوربا. وكانت هنالك الحواكير وهي اراضي كبيرة ربما امتدت اميالا كدار لقبيلة ، او مدينة او قرية وهي تعطى للحكام والاقارب والعلماء وقد يستغلها هؤلاء بانفسهم او بعبيدهم او ان يسخر من الاهالي من شاءوا وفقا لعلاقة تعاقدية ينال فيها صاحبها من الانتاج ما يقابل الضرائب والخراج اللازم دفعه للسلطان شرعا وعرفا.ونلحظ هنا ان المزارع يعمل في الحاكورة ولا يملك جزءا من الارض وعلاقته بها علاقة عمل، وهذا نوع من الاقطاع يختلف عما هو متعارف عليه لان الارض دوما هي ارض السلطان فهي لا تورث وهي عرضة للنزع ممن اقتطعت له، فضلا عن ان ما يسود هنا ليس علائق انتاج اقطاعية بقدر ما هي سمات المجتمع البدائي الذي تسود فيه التطوعية والتعاون فكثير ممن كانوا يعملون في هذه الاراضي اما لقربى دم، ولاء روحي لحالة العلماء ورجال الدين او ولاء وعصبية للحاكم او السلطان.

ولو ذهبنا الي توصيف التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية استنادا علي البنى الانتاجية والتفاوت الاجتماعي لوجدنا سيادة نمط الانتاج البضاعي الصغير، نمط الانتاج البدائي المعتمد علي الصيد ، الجمع والالتقاط (جنوب السلطنة)،نمط الانتاج الاقطاعي(بايضاحاته) والنمط العبودي.

باستعراضنا للأقتصاد في سلطنة الفور نلحظ البدائية،الاكتفائية، الندرة البائنة في محدودية الحاجة السلعية، والريعية والتي خلقت التفاوت الاجتماعي واعطت امتيازات لمن هم ليسوا بأصل في الانتاج الحقيقي.                                                                                                                                                        

                                                                                                                                            ولتسليط الضوء اكثر علي التاريخ الاقتصادي السوداني بعد ان استعرضنا التاريخ الاقتصادي لسلطنة الفور لا بد من وقفة عند سلطنة الفونج (سنار) أو السلطنة الزرقاء ( 1504 – 1821) التي تمثل محاولة لبناء دولة سودانية حديثة في الشمال والوسط حتي نغطي التاريخ الاقتصادي للمساحات التي كونت السودان الحالي فيما بعد كما ان سلطنة الفونج تعتبر نموذجا لتطور الممالك والسلطنات السودانية التي سادت منطقة نفوذ هذه السلطنة في حقب تاريخية سبقت نشأتها كممالك (كرمة – نبتة- مروي) ثم النوبة المسيحية(نوباتيا- المقرة – علوة)، ونبني هنا في مقاربتنا هذه علي التخلق الجديد لتشيكلة اجتماعية اقتصادية تأثر تخلقها بزوال الممالك السابقة وانتشار الاسلام وسيطرة القبائل العربية علي المراعي الخصبة في وسط وشرق السودان واطراف من غربه وجنوبه هذه السيطرة التي جعلت هذه القبائل تتركز بكثافة في الوسط لاتساع المراعي علي عكس شمال السودان حيث تنفذت المملكات السابقة وحيث تضيق الاراضي الزراعية لطبيعة المنطقة الجغرافية، ولعله من الاسباب الاخرى ان هذه القبائل العربية الرعوية لم تجد موضعا في مناطق نفوذ الممالك القديمة بجانب ضيق الاراضي فان التمايز الحضاري بين المجموعات الزراعية المستقرة والمجموعات البدوية المتنقلة خاصة في مضمار الانتاج الحضاري والمادي فضلا عن ان التمايز العقدي فيما ينظم الحياة العائلية ، نمط الحكم المطلق الذي يجعل من كل الشعب رعية وشغيلة للملك وحاشيته وطبيعة التنقل وعدم الاستقرار لدي هذه المجموعات دفع بهذه القبائل للهجرة جنوبا الي وسط السودان وغربه وشرقه بعد ان اخذت ما اخذت من القيم المادية في حضارة النوبة وكّيفتها تبعا لظروفها الجديدة فظهر ذلك في التشكيل الاجتماعي والسياسي لهذه المجموعات في تحالفاتها فيما بينها من لا مركزية واستقلالية قبلية. وفي النمط الاقطاعي الذي تبنوه في سلطناتهم فيما بعد فهو مأخوذ من الممالك النوبية رغم ما اضفوه عليه من تطوير اذ اتخذ شكلا غير مطلق وذا منحى تشريفي اختصت به الزعامات القبلية ،القيادات الدينية، العسكرية والمكرمين من السلطان مقابل ضريبة معينة أو خراج معين يدفع للسلطان وهو بذلك ابتداع جديد خالف الاقطاع النوبي والاقطاع العثماني والشرق اوربي (أو نظام القنانة القديم) ففي دارفور قام سليمان الاحمر (سولونج) بتوحيد القبائل والمشيخات العربية والافريقية حوله وكون سلطنة دارفور التي اشرنا اليها وفي الوسط اتحد الفونج والعبدلاب وغيرهما من المشيخات ليكونوا واقعا اقتصاديا واجتماعيا جديدا احتازوا به علي السلطة التي جردواالنوبة منها وتبعا لتجريدهم للنوبة من سلطتهم جردوهم من اراضيهم. وانتهجوا قواعدا لتنظيم العلاقات الاجتماعية من انكحة ومواريث للارض وغيرها من ممتلكات وفقا للشريعة الاسلامية والاعراف المحلية، وبنوا دولة ذات اتساع وشمول انبسطت به علي سودان وادي النيل ، باستثناء الجنوب ودارفور في دولة واحدة، اي أن الدولة السودانية شملت رقعة اوسع في ظروف جديدة.              

                                                            

ففي دولة الفونج حدث تطور اقتصادي نوعا ما عما كان عليه الحال في الممالك المسيحية وسلطنة الفور فقد تطورت ملكية الاراضي وتنوعت فالبالرغم من ان الاراضي في غالبها تعتبر ملكا للسلطان الا ان اقطاعها اعتمد علي التشريف والتكريم لشرائح اجتماعية متعددة كالعلماء والمشائخ، زعماء القبائل والاعيان، القيادات العسكرية والامراء وغيرهم ممن استحقوا تشريف السلطان وتكريمه بل انها في بعض المراحل اصبحت الاراضي ملكا للدولة، فبجانب اقطاعيات السلطان ظهرت الملكية الفردية للاراضي الزراعية كما هو الحال في الشمالية والملكية الجماعية في مناطق الرعي البعيدة عن ضفاف النيل. وبمثلما تعددت انماط الملكية تعددت انماط التشكيلة الاقتصادية من نمط الانتاج البدائي، الانتاج العبودي،الانتاج الاقطاعي السائد، نمط الانتاج السلعي الصغير وتبعا لهذا التعدد تطورت التجارة الداخلية والخارجية وتطور الانتاج الزراعي والصناعات الحرفية وظهرت طبقة التجار وانشئت خمسة عشر مركزا تجاريا في انحاء السودان المختلفة ترتبط ببعضها من جانب ومراكز التجارة الخارجية من جانب آخر كمصر، الجزيرة العربية، الهند وغرب افريقيا وظهرت النقود كوسيلة مبادلة تجارية ، فوفقا لنظام المبادلة المتبع كانت الصفقات الصغيرة يتم التبادل فيها بالحديد، الحبوب، الملح والاقمشة والصفقات الكبيرة يتم التبادل فيها بالماشية والذهب وصفقات كبار التجار والاعيان يتم التبادل فيها بالنقود المعدنية العثمانية والاسبانية.وفي سلطنة الفونج تعددت السلع كالذهب، الرقيق،الصمغ العربي ، العاج ، سن الفيل وريش النعام وكانت الواردات كالصابون ،المجوهرات، المنسوجات ، السروج، الاسلحة والبهارات.

ولعله من الواجب الاشارة الي لا مركزية الادارة الاقتصادية تبعا للامركزية الحكم التي كانت تتبعها السلطنة فقد كانت فروع بيت المال في كل الاقاليم ولم يكن للدولة تدخلا مباشرا في الاقتصاد تحكما وتوجيها وانما اكتفت بالاشراف العام ولم تفرض الدولة على اقاليمها سوى جزية بسيطة وقد اخذت بالنظام الضريبي الاسلامي الجزية، الزكاة، الخراج، المكس وهو نظام ضريبي لم يسعى لتحقيق التوازن بين الايراد والانفاق العام.

النشاط الاقتصادي في دولة الفونج كان له انعكاسه علي التشكيلة الاجتماعية التي شهدت تطورا مما كان عليه الحال في الممالك المسيحية وسلطنة الفور فقد اصبحت اكثر تعقيدا فقد برز السلاطين والامراء كتشكيلة اجتماعية عليا، زعماء القبائل، التجار، التشكيلة الوسطى ( قادة الجيش ، الموظفين، الكتبة، المقاديم ، الفقهاء ، القضاة)، تشكيلة شيوخ الطرق الصوفية، المزارعين، الرعاة، الرقيق..

ورغم ما حدث من تطور في النمط الاقتصادي، الملكية، النظام الضريبي ، مجال التبادل التجاري ومعرفة استخدام التبادل النقدي ورغم التطور الذي حدث علي مستوى التشكيلات الاجتماعية التي افرزها ذلك التطور يمكن القول بان الاقتصاد في دولة الفونج لم يتعدى نمط الاقتصاد المعيشي ولربما انتقل خطوة نحو الاقتصاد النقدي.

ان اردنا استعراض النمط الاقتصادي في فترة الحكم التركي المصري المعروف ب(التركية)، فاننا لا بد ان نشير الي ما احدث في هذا العهد من مأسسة للدولة ونظامها الاداري الذي انشئ علي نظم ادارية تنزع الي المركزية التي ادت الي تغييرات في الواقع الاقتصادي الما قبل رأسمالي لتحول السودان الي كيان اقتصادي موحد وبدت بعض مظاهر التحديث في الانشطة الانتاجية والخدمية كالتحديث الذي حدث في الفنون الانتاجية باستخدام المحاريث وشق الترع للري الزراعي وتغير منظومة المحاصيل المزروعة باضافة محاصيل جديدة كقصب السكر، القطن، النيلة، البن الا انه لم يتحقق النجاح الباهر في هذا المجال لتفضيل الاهالي لزراعتهم ومحصولاتهم التقليدية، وفي مجال الانتاج الصناعي نمت طبقة صغيرة من الحرفيين في المدن الصغيرة. الجدير بالذكر ان محاولة التحديث هذه تبعتها نقلة في البنية التحتية في المجال الخدمي كالمواصلات فانشئت سكة حديد حلفا وشيد ميناء سواكن، البواخر النيلية والتلغراف هذه العوامل كان لها اثرا فعالا في تشجيع التجارة فبدأت مرحلة (تكوين رأس المال التجاري) ونمت شرائح من التجار تمثلت في كبار التجار من الاجانب المصريين والاتراك والشوام وغيرهم وصغار التجار الوطنيين الذين عرفوا بالجلابة ومعظمهم من الشمال من الدناقلة والميرفاب ، الجعليين والشايقية وهم في الاصل فلاحون اجبروا علي زراعة المحاصيل النقدية لتنشيط التجارة بدلا عن المحاصيل التقليدية التي كانوا يزرعونها للاكتفاء الذاتي. فأصبح لهم نشاط تجاري وثق من التعامل بينهم وبين التجار الكبار من الاجانب الذين مثلوا وكلاء شركات وبيوتات تجارية عالمية.وقد مثل (الجلابة) قنوات تسويق للوكلاء الاجانب الذين مثلوا رأس المال بينما مثل الجلابة الخبرة والمعرفة بطرق التجارة الداخلية في الريف السوداني والاقاليم البعيدة فكانوا يجمعون السلع المحلية كالعاج ، الصمغ العربي، ريش النعام والرقيق في مراكز معينة لتسويقها داخليا او نقلها للمركز لاغراض التسويق الخارجي.هذه الحركة التجارية مع توسع الجهاز الاداري والخدمي للدولة اوجد شريحة من الموظفين المدنيين والعسكريين لتنشأ المراكز الحضرية التي اصبحت اسواقا للعمل فاسهمت في طلب الايدي العاملة وارتفعت نسبة الهجرة من الريف الي المدن ودخلت ثقافة العمل بأجر وتطلع المستوظفون والتجار للاجور العالية والارباح الوفيرة فتولدت ثقافة استهلاكية جديدة غيرت من حاجيات الناس فازداد الطلب علي السلع المستوردة.

اما علاقات الانتاج ابان فترة الحكم التركي المصري فانه لم يطرأ تغيير يذكر في اشكال التملك التي سادت في عهد سلطنتي الفونج والفور فملكية الاراضي الخاصة في الشمالية ظلت كما هي وكذلك استمرت الملكية الجماعية للاراضي الرعوية غير ان الجديد هو ايلولة اراضي السلاطين الي الادارة التركية فتوسعت فرص الانتفاع بالارض الي ما وراء حدود المناطق الجغرافية التي كان يعيش فيها المالكون، كما ان الاراضي قد اكتسبت قيمة مضافة بانتقالها من الاستخدام لغرض الكسب المعيشي ، وبالرغم من ادخال المحاصيل النقدية للتصدير واعتماد الضرائب النقدية بدلا عن العينية فلم يكن ذلك جديدا في اطار التحول من الاقتصاد المعيشي للاقتصاد النقدي الذي بدأت ملامحه تطل منذ سلطنة الفونج. ومع اعتماد النقد في التبادل التجاري وفي النظام الضريبي الا ان السياسة النقدية لم تكن مستقرة تماما لقلة العملة النقدية من ناحية ولتعدد العملات المستخدمة حيث تم تداول العملات النمساوية ، الاسبانية، المصرية والعثمانية لذلك ظلت المقايضة مستمرة بجانب التبادل النقدي. والملاحظ ان الضرائب النقدية كانت سمة من سمات الانتقال من الاقتصاد المعيشي الي الاقتصاد النقدي لكنها في الواقع شكلت عائقا في سبيل التطور الاقتصادي فقد كانت باهظة تفوق مقدرة دافعيها وكانت جبايتها تتم بقسوة وقمع شديدين وهذا لمقابلة الانفاق العام علي الجهاز الاداري للحكومة التركية ولارسال الاموال لمراكز الامبراطورية العثمانية في مصر والاستانة. ورغم ان الحكومة حاولت الاستعانة بالتجارة في تغطية النفقات الا انها قد اعاقت تطورها وازدهارها لسياسة الاحتكار الحكومي للسلع خاصة في مجال التجارة الخارجية وسياسة تحديد الاسعار الجبرية والمصادرة هذا قبل التراجع عن هذه السياسة بسبب الضغوط الواقعة علي الحكومة من الدول الاوربية بغية تحرير التجارة وازدهارها.

اما بشأن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية في العهد التركي المصري فقد تنامت التشكيلة الاجتماعية التجارية ونما رأس المال التجاري كما تنامت التشكيلة الاجتماعية الوسطي لانتشار المدن والمراكز الحضرية وتوسع الجهاز الاداري والعسكري للدولة.

نخلص الي ان محصلة الحراك الاقتصادي في التركية لم يحدث تطورا كبيرا عما كان عليه الحال في دولة الفونج الا في بعض الملامح في التبادل النقدي، النشاط التجاري ، ابتداع المشروعات الزراعية الضخمة كمشروع التاكا علي نهر القاش ،تنوع المحاصيل ، تشجيع تجارة المحاصيل عبر المدن الكبرى، تطوير فنون الانتاج ، تبدل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية ببروز شرائح التجار والشريحة الوسطي ونمو المدن والمراكز الحضرية. الا ان ذلك الحراك الاقتصادي لم يبلغ مرحلة ان يطلق عليه اقتصاد دولة. ففي الاصل لم يكن مقصد الاتراك استعمار السودان وتنميته كدولة انتاجية وانما جاءوا اليه بمعلومات مضخمة ومتوهمة لجمع المال المتمثل في الذهب والرجال للحروب والعمل وتجارة الرقيق ولما لم يوفقوا في ذلك للعوامل الطبيعية ولخطأ تقديراتهم ارادوا التعويض بالتجارة والضرائب.

جاءت مرحلة الدولة المهدية بطابعها الثوري الذي اهتم بصورة جوهرية بطرد المستعمر دون ايلاء مرحلة ما بعد طرد المستعمر حقها من الاهتمام الا من افق عام لدولة اسلامية رغم ما في ذلك من هلامية .لذلك حين تم دحر المستعمر وحاولت الثورة ان تكون دولة لم يكن لديها في امر التنظيم الداخلي والادارة السياسية الا ما ارسته التركية من دعائم لادارة وتنظيم الدولة فابقت النظام التركي من حيث جوهره ولم يطاله من تغيير الا ما هو شكلي. ولطبيعة الدولة المهدية وخلفيتها الفكرية تأثر الواقع الاقتصادي واصبح في غالب فترات الحكم المهدوي اقتصاد حرب اهملت فيه الزراعة واستهلكت فيه القوى البشرية في شئون الحرب والجهاد. ولو انه في مرحلة من مراحل حكم الخليفة عبدالله سعت الدولة الي تشجيع الزراعة والحث علي التوسع في الانتاج الزراعي الا انه لم يحدث تطور مما كان عليه الحال من حيث نوعية المحاصيل ،اساليب الزراعة والفن الانتاجي ولكن يحمد للمهدية انها سعت من ناحية الي التوسع الافقي للزراعة وذلك بتهجير قبائل من غرب السودان لتفلح الاراضي الزراعية في وسط السودان وحوالي العاصمة كما انها احدثت تطورا محسوسا في مجال الانتاج الصناعي الذي جاء حربيا في معظمه لارتباطه بالظروف السياسية للدولة وقد كانت صناعة محتكرة بواسطة الدولة لاستراتجية تلك الصناعات التي تمثلت في صناعة الاسلحة، البارود، الرصاص وصك العملات.

ومما لا بد عن ذكره ان المهديه قد وسمت الاقتصاد علي بداءته بميسمها الفكري فخفضت الضرائب بل اعفتها احيانا وجعلت النظام الضريبي نظاما اسلاميا بفرض الزكاة، الخراج، المكس والعشور واتخذت اجراءات عامة كالمصادرة والتأميم واحتكرت الدولة تجارة الصمغ العربي واتجهت لخلق قطاع عام اذ جعلت النشاط الاقتصادي متمحورا حول بيت المال التي وجهت بتسليمه الاسلحة ، الذخيرة، الذهب،الفضة، الرقيق واالماشية علاوة علي الغنائم ، الزكوات، العشور، المكوس والخراج وضمت اليه المصالح واوكلت اليه ادارة السوق الدكاكين، الوكالات، العصارات، الطواحين واعمال الحرفيين، بل ان بيت المال قد تدخل في النشاط الزراعي وفق (نظام التزرعة) اذ يقوم الناس بزراعة الارض مشاركة مع بيت المال ثم يقسم الانتاج بين بيت المال والمزارع ، في نمط يشبه نظام القطاعات المختلطة قطاع عام وخاص حينا او قطاع عام وقطاع جماعي احيانا اخرى ،وفي هذا تميزت المهدية عن سابقاتها وعن التركية وتبعا لذلك كان بيت المال مصدر تمويل الدولة. ورغم ان المهدية قد طورت ملكية الارض بمنشور المهدي (( لا يدعي احدكم وراثة الارض عن آبائه واجداده ليأخذ عنها خراجا)) ورغم ذلك كانت هنالك اراض زراعية تتبع للقطاع الخاص من الافراد والاسر وكذلك نشط القطاع الخاص في صناعة المراكب والاحذية، الاسلحة البيضاء وسن الفيل.

رغم ما انجزته المهدية من اجراءات عامة جاءت مختلفة بعض الشئ عن الممالك المسيحية، السلطنات والتركية الا انها كانت وفق افق بدائي لم يعمل لبناء اقتصاد دولة ببناء نمط انتاجي محدد. لذا لم تتغير التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية ولم يتغير النمط الاقتصادي السائد الذي تراوح ما بين البدائية، الاكتفاء الذاتي، المعيشي النقدي في اطار ريعي عاجز عن تطوير البنى الاقتصادية ، علائق الانتاج وفنونه.

جاء الاستعمار الثنائي والذي رغما عن ثنائيته اسما الا ان الوقائع تؤكد انه استعمار احادي آلت مقاليد الامور فيه للجانب البريطاني، ولعله من المعلوم بالضرورة ان الاستعمار هو من الظواهر السياسية، الاقتصادية والثقافية التي سادت تلك الحقبة التاريخية ويعني اقامة مستوطنات اوربية في القارات الاخرى لاستغلال مواردها وعمل سكانها لمصلحة الدول والشعوب الاوربية وقد ارتبطت هذه الظاهرة تاريخيا بنهضة اوربا وعصور الاستكشاف .

وللاستعمار اهداف عديدة لتحقيق موقع لكل دولة في مضمار التنافس علي النفوذ ، وتتمثل الاهداف في اهداف حضارية، ثقافية، دينية، سياسية، سكانية واقتصادية والاهداف الاقتصادية هي الاهم من بين هذه الاهداف. والاستعمار من زاوية اخرى هو ابن شرعي للرأسمالية فعقب التوسع العظيم في الإنتاج في اوربا الناهضة بدأت الامبريالية الظهور من خلال وجود شركات احتكارية تسعى للسيطرة على العالم فبدأت الحملات العسكرية الهادفة لاحتلال أراضي الآخرين وتأمين أسواق للشركات وهذا فيما يعرف بالفترة الاستعمارية.

لذا يكون من الضروري استصحاب هذه الخلفية في قراءتنا وتحليلنا للتاريخ الاقتصادي السوداني في فترة الاستعمار البريطاني الذي جاء متأبطا لتلك الاهداف وساعيا لتحقيقها. وكما اسلفنا ان اهم هذه الاهداف هي الاهداف الاقتصادية كخلق السوق للمنتجات الاوربية والمصدر للمواد الخام.وهذين الهدفين لا يمكن تحقيقهما في ظل مجتمعات بدائية الا بتطويرها علي نحو يسمح بتحقق هذين الهدفين بخلق بنى اجتماعية واقتصادية تمكن من فتح السوق واستغلال الموارد وليس للدولة الاستعمارية منهج لتحقيق هذه النقلة سوى النهج الرأسمالي.ففي حال السودان بحث الاستعمار في البنى والتشكيلات الاجتماعية التي يمكنه الاعتماد عليها في خلق تنمية تحقق له اغراضه فجوبه بفداحة الموقف الذي خلفته المهدية من نقص مريع في عدد السكان نتيجة للحروب المتواصلة وللمجاعات التي المت بالبلاد ، انعدام الامن ، عدم وجود بنى تحتية أو مؤسسات تصلح لتكون اساسا لبناء دولة مدنية اذ لم تخلف المهدية نظاما تعليميا او مدرسيا يعتمد عليه في تأهيل الكوادر البشرية، ولم تكن هنالك مستشفيات أو محاكم او طرق أو اي من مؤسسات الحكم المدني.

الامانة العلمية تقتضي القول بأن الاستعمار هو من وضع اسس الدولة الحديثة واسس البناء الاقتصادي الذي يقوم على الانتاج وان كان هدفه استغلال موارد البلاد. ولان خلفية النظام الاقتصادي الذي اراد الاستعمار انتهاجه رأسمالية كان علي المستعمر ان ينهض بالمجتمع وبالبنية التحتية اللازمة لانفاذ مشروعه الاقتصادي القائم علي النشاط الزراعي. وقد جاءت النهضة التي قام بها المستعمر لاجل ذلك مجملة في قول كرومر (حسن الإدارة و زيادة عدد السكان و تطوير المواصلات وتوفير المياه وزراعة القطن ووفرة الوقود الرخيص) ورأى ونجت (انشاء نظام مبسط للتعليم) لذا عمد المستعمر الي خلق نظام اداري صارم كان اساسا لخدمة مدنية متميزة، وارتكزت الفلسفة الادارية للمستعمر علي ست محاور محور مأسسة الدولة التي كان في قمة هرمها حاكما عاما يعاونه ثلاثة سكرتيريون إداري ، قضائي و مالي اضافة لمدير للمعارف (التعليم). و قسم السودان اداريا إلى ست مديريات علي رأس كل منها مديرا من الضباط الانجليز ومفتشي مراكز من الانجليز ثم المآمير من المصريين.وما بين 1919- 1928 تم تأسيس الادارة الاهلية من النظار والعمد كقاعدة لهرم الأدارة، وفي محور ثان عمد المستعمر الي خلق نظام قانوني عادل، ثم محور ثالث هو خلق نظام تعليمي بانشاء عدد من المدارس وجلب المدرسين الاجانب وانشاء كلية غردون، ثم محور الصحة حيث نشطت الادارة الاستعمارية في الفترة 1901- 1920 في انشاء المستشفيات التي غطت معظم مدن السودان الكبيرة، وفي المحور الخامس خلقت نظاما ضريبيا مناسبا راعت فيه البساطة وتجنب ارهاق كاهل المواطنين ، التساهل واعفاء المعسرين وقد كانت الضرائب تفرض بنمط غير تزايدي علي الأراضي الزراعية وأشجار النخيل و القطعان. وفي محور سادس سنت قانونا لملكية وتسجيل الأراضي قضى بفصل نزاعات الملكية الموروثة من العهد المهدوي وبمسح و تسجيل الأراضي و إصدار سندات الملكية. وعدم نزع الاراضي أو منح اراضي للأجانب. صاحب انفاذ تنزيل المشروع الاداري للاستعمار عملا دؤوبا لتعمير الخرطوم كعاصمة للبلاد فبدأت المباني الحديثة تطل علي شاطئ النيل الأزرق كسراي الحاكم العام الوزارات والمصالح الحكومية ، ثكنات الجيش ومساكن الموظفين في المنطقة المحيطة وشيدت البنوك كبنك باركليز وبنك مصر والمسجد الكبير واستخدمت المعدية لنقل الموظفين من امدرمان للخرطوم وافتتح خط الترام البخاري 1905. لم يقتصر دأب الحكومة علي انجاز ما تفضلنا بذكره عاليه وانما اهتمت حثيثا بمشروع المواصلات كداعم اساسي لنجاح المشروع الاقتصادي ففي العام1903 بلغت خطوط الملاحة النهرية الرجاف وواو وفي العام 1905 بلغت خطوط التلغراف ما يقارب اربعة اميال طولا، و1907 افتتح ميناء بورتسودان، و1909 تم انشاء كبري الخرطوم و1910 انشئ كبري كوستي وبالعام 1911 وصلت السكة الحديد من حلفا عبر الحلفايا – الخرطوم –كوستي الابيض والي بورتسودان. شهدت السنين الأولى من الحكم الاستعماري عددا من المحاولات التجارية و الإستثمارات الفاشلة التي أدت بعدد من المغامرين الأوروبيين إلى الإفلاس، مثل إنتاج الورق من نباتات السدود أو محاولة إنتاج الفحم من نفس النباتات أو المحاولات الفاشلة للبحث عن الذهب. و سرعان ما اتضح أن طريق السودان إلى الرفاه و السعة يكمن في زراعة السهول الطينية المنبسطة التي تغلب على أراضيه لا في الاعمال التجارية. وبعد هذه المحاولات التجارية و الاستثمارية الفاشلة لخص الحاكم العام ريجنالد ونجت الامر في تقرير له 1902

(لا نبحث عن تطور السودان في تجارة الصمغ و لا في تجارة العاج و ريش النعام، و لكن يجب ان نبحث عنه في تطوير المحصول الزراعي للبلاد، وفي تخفيض تكاليف الانتاج حتى يستطيع فائض الانتاج ان يجد سعراً مناسباً في السوق الاوروبي) ووفقاً لتلك النظرة تمت معالجة مسألة ملكية الارض بان اصبحت الدولة هي "المالك لكل الاراضي الزراعية و السكنية التي ليس لها ملكية مسجلة. و اصبح نظام ملكية الارض يقوم علي قانون واضح المعالم.   كان تفكير المستعمر في استغلال موارد السودان الزراعية كبيرا ، كان التفكير في زراعة الحبوب في البدء، الا ان السير ونجت في 1903 كان له رأيا مغايرا استنادا علي حقيقة ان القطن الذي تم استزراعه في مصر جيء ببذوره من السودان بواسطة المسيو جومل الذي اخذها من حديقة احد الموظفين بالسودان والحق يقال ان القطن كان معروفا في السودان منذ سلطنة الفونج التي كان من اهم صادراتها الدمور وكذلك في العهد التركي ، في حدود تغطية الحاجة المحلية ولم يخطر ببالهم أن يجعلوا منه غلة اقتصادية فقد كان تفكير الاتراك منصبا علي التعدين ، الرجال والضرائب ولم يكن في افقهم استغلال موارد السودان الزراعية. وبناء على رؤية السير ونجت تمت زراعة القطن في دلتا طوكر و دلتا القاش في شرق السودان في 1903وكانت النتيجة واعدة. وفي العام 1904 قام مستثمر امريكي يدعى لي هنت بزراعة القطن في الزيداب واسس (شركة السودان للزراعة التجريبية) وفي ذات العام رأي السير ويليام جاريستن ان الاراضي المنبسطة بين النيلين بانحدارها المميز ناحية الشمال يعزز فكرة انشاء خزان علي النيل الازرق لريها وزراعتها لا سيما ان عدد سكانها كاف لقيام مثل هذا المشروع. في العام 1908 بعد دراسات مساحية وحقلية اكد على جدوى قيام الخزان والمشروع الذي سيروي بالقنوات وفي العام 1913 استقرضت حكومة السودان الحكومة البريطانية بغرض انشاء الخزان لقيام مشروع الجزيرة والذي لم يكتمل تصميمه الا في العام 1919 وانشاؤه في 1926 لظروف الحرب العالمية الاولى. وفي هذه الاثناءة لم تقف تجارب زراعة القطن حيث قام مشروع طيبة 1914 بزراعة 6000 فدان. ويبدو اننا سنتمكث شيئا ما في مشروع الجزيرة الذي قام عليه اقتصاد السودان منذ ذلك الحين والي يومنا هذا ولانه مدار التحولات الاجتماعية والمؤثر في الأحوال السياسية علي مر التاريخ. مشروع الجزيرة لم يكن مشروعا لزراعة القطن فحسب ، بل كان مشروعا لادخال النظم الاقتصادية الحديثة في السودان ومشروعا لربط السودان بالاقتصاد العالمي ، ومشروعا لاحداث تحولات في البنى الاقتصادية والتشكيلات الاجتماعية الاقتصادية. مشروع الجزيرة مشروع استهدف نقل النشاط الاقتصادي ما قبل رأسمالي الي ابعاد جديدة في حضن نمط اقتصادي جديد وهو محاولة للتدليل علي تطور النظام الرأسمالي فيما يوظف ويعيد توظيف الفائض الاقتصادي ويستغله. فقد مثل النشاط الزراعي في السودان مجالا لتحقيق ذلك الفائض الاقتصادي وتحقيق التحول علي مستوي السودان ومستوى ارتباطه بالمركز. ويعود الفضل في قيام مشروع الجزيرة للامريكي لي هنت الذي اسس شركة السودان للزراعة التجريبية حينما منح امتياز زراعة القطن بالزيداب. قام لي هنت باستقطاب المساهمين وقد كانوا سبعة عشر مساهم احدهم من باريس،اثنان من ايرلندا،ستة من امريكا وثمانية من لندن بينهم بريطاني واحد هو ليونيل فيلبس. استقال لي هنت من ( شركة السودان للزراعة التجريبية ) في 1907 وحل محله دونالد بيترسون ماكلفيري ورغم استقالته ظل محتفظا بعضويته في مجلس الادارة وبملكيته لما يزيد عن المائة فدان في بري المحس ويوم ان استقال لي هنت تحولت (شركة السودان للزراعة التجريبية) الي ( الشركة الزراعية السودانية المحدودة) وهي الشركة التي قام علي عاتقها مشروع الجزيرة. نورد هذه الفذلكة التاريخية لنؤكد ان مشروع الجزيرة لم يكن بريطانيا بقدر ما كان مشروعا عالميا وابن شرعي لعلاقة الامبريالية البريطانية بالامبريالية العالمية وخاصة الامريكية ، فمشروع الجزيرة كان ملمحا من ملامح ثقافة الاستثمار الامريكي التي عنوانها النشاط الرأسمالي متعدد الجنسيات. ولعل القنصل الامريكي بمصر عبر الخارجية الامريكية قد لعب دورا هاما في تحريض الأستثمار الامريكي للاهتمام بالسودان متلقفا تقرير اللورد كرومر قنصل بريطانيا السامي بمصر والذي كشف عن خطة للاستفادة من امكانيات السودان الزراعية لاعادة بناء الاقتصاد السوداني.   اسهمت ( الشركة الزراعية السودانية المحدودة) في انفاذ مشروع الجزيرة وغدت شريكا فيه لمدة ربع قرن من الزمان بموجب امتياز منحته لها حكومة الاستعمار السودانية قام علي اساس احتكارها للارض مقابل التمويل وقد وفرت الشركة تمويلا عالميا للمشروع من مؤسسات وافراد.ومن هذا الباب اسهمت الشركة في تطوير المشروع انتاجا وادارة واسهمت ايضا في الحاقه بالنظام الرأسمالي العالمي. انتهجت الشركة نظاما جديدا لعلاقة العمل وذلك باستبدال نظام العمل بأجر والذي ساد في مشروع الزيداب بنظام تأجير الارض للمزارع ويقتضي هذا النظام ان يدفع المزارع تكلفة مياه الري وله الحق في الاحتفاظ بحقه في المحصول المنتج.تبعا لهذه السياسة ازدهر المشروع ونمت الشركة مما حدا بها للتوسع باضافة اراضي منطقة طيبة بالجزيرة. ورغم ان مشروع الجزيرة كان مهيمنا عليه بواسطة الراسمالية العالمية ابان الفترة الاستعمارية الا انه ظل عصيا علي الخصخصة وبعيدا عن حبائل الشرايح الراسمالية السودانية وذلك بفضل وعي مزارعي المشروع ونضالاتهم وعلائق الانتاج التي قللت من فرص الوقوع في براثن القطاع الخاص. بالتالي يمكن ان نقول ان مشروع الجزيرة كان عقبة كأداء في طريق تطور طبقة رأسمالية سودانية لهيمنة الرأسمالية العالمية، كماان الحكومات الوطنية بعيد الاستقلال لم تكن لتغامر بخصخصة المشروع فضلا عن ان مزارعي المشروع وما صيغ من علاقات انتاج باعدت بين هذه الشرائح والمشروع. كما قدمنا عاليه بنشوء مشروع الجزيرة اصبح القطن هو الغلة الاقتصادية الاولى وهو العمود الفقري لاقتصاد السودان طوال عهد الاستعمار وما تلاه من حكومات وطنية. غير ذلك كان مشروع الجزيرة هو الباب الذي ولج منه الاقتصاد السوداني الي السوق الراسمالي العالمي. ولاستمرارية نجاح المشروع من زاوية ربحية بتقليل المنصرف رأى الاستعمار تدريب وتشغيل السودانيين في المناصب الدنيا في ادارة المشروع، كما قام بتوفير الحد الادنى من الخدمات ومعظمها صرف عليه من اموال المزارعين بخصم نسبة من الحساب المشترك لمال الخدمات الاجتماعية. هذه الخدمات التي تمتعت بها منطقة الجزيرة آنذاك ، بلا شك هي خدمات متدنية قياسا بعائد المشروع وقياسا بالخدمات الاجتماعية الموجودة بالدول الأخرى، ورغم تدنيها الا انها كانت بدرجة الامتياز اذا ما قورنت ببقية انحاء البلاد خارج نطاق مشروع الجزيرة ومناطق المشروعات المروية. هذه المناطق التي اعتبرها المستعمر كمناطق لا يرجى منها فائدة وبالتالي نالها الاهمال والتهميش رغم انها تمثل قطاع الانتاج التقليدي. والادهى وأمر ان المستعمر قد اعتبر هذه المناطق مستودعا للعمالة الرخيصة، فقد ظل المستعمر يجلب العمالة الموسمية الرخيصة من هذه المناطق وخاصة من غرب السودان لا سيما حينما تزايدت حاجة السوق العالمي للاقطان الشئ الذي أدى الي التوسع بزراعة القطن بأنشاء مشاريع اضافية في النيل الابيض والنيل الازرق فكانت الحاجة الي جلب اعداد كبيرة من العمالة الرخيصة لدرجة الاستعانة بالعمالة من نيجيريا وذلك للزراعة واعمالها ولجني القطن. وقد تم استغلال حقيقة عدم تعارض موسم جني القطن وموسم الحصاد في غرب السودان.

   عليه يمكننا القول بأن مشروع الجزيرة هو اساس التهميش الاقتصادي لأقاليم السودان المختلفة فأصبح منطقة انتاج حديث اعتمد علي فن انتاجي حديث كنظم الري الحديثة، الدورات الزراعية، المحاصيل حديثة والآلات والاسمدة يستهدف انتاجا للتبادل التجاري ملتحقا بالاقتصاد النقدي والعالمي وما عداه من مناطق انتاج اصبح هامشا اقتصاديا يوصف بالتقليدية لاستخدامه لفنون انتاج بدائية لأجل انتاج استهلاكي لا يرتبط بالاقتصاد النقدي بشكل كامل. وبما قدم في هذه المنطقة من اجل المشروع من خدمات اجتماعية جعلت ما عداه من مناطق هامشا تنمويا. ومن المؤسف ان الاستعمار قد تعامل مع المشروع كبقرة حلوب يحسن اعلافها بينما لا يعلف العجاف من البقر. لا يقف الأسى عند هذا الحد بل يزيد ويتطاول حينما نجد ان الحكومات الوطنية من بعد الاستعمار سارت علي ذات النهج الذي عمق من التهميش اكثر واكثر باعتماده علي تطور اقتصادي لا تكافؤ فيه. فلم يكن مشروع الجزيرة بالافق الذي انشئ عليه الا محققا لمصالح الاستعمار ولكنه لم يكن حجر زواية انطلقت منها التنمية الاقتصادية والاجتماعية وانما كان حجر زاوية التهميش الاقتصادي لاقاليم واقاويم السودان المختلفة كما ابنا عاليه ،التهميش الذي ظل رحما موبوءا تنسرب منه مشكلات السودان الاقتصادية، الاجتماعية والسياسية بدرجة تهديد المشروع الوطني. ولم يكن قيام المشروع نصفة يتكافأ بها ميزان العدل اجتماعي في الداخل او ميزان المادة الخام والاستيراد، فالتبادل غير المتكافئ في العالم والقائم بين انخفاض قيمة المادة الخام المصدرة (القطن) وتصاعد السلعة المصنعة المستوردة كان خصما علي عائدات البلاد ومكاسب المواطن. مشروع الجزيرة لم يخلق النقلة المرجوة من اقتصاد الريع الي الاقتصاد التنموي اذ اعتمد علي المصادر الطبيعية وحدها دون اعمال اية آليات انتاج معقدة مادية كانت او فكرية ،مركزا علي غلة واحدة للتبادل التجاري فقط. فلم يستخدم المستعمر القطن ليكون مفردة من مفردات دورة اقتصادية كاملة تشمل التصنيع لتتسع دائرة النماء الاقتصادي والاجتماعي فضلا عن ان الاعتماد علي الغلة الواحدة شكل خطرا علي الدولة التي كانت تعتمد في جزء كبير من ايراداتها علي موارد محدودة اذ جعلها عرضة للمتغيرات الخارجية وعوامل الطلب في الاسواق العالمية.فضلا عن ان الاعتماد علي القطن ادي الي اهمال المحاصيل الزراعية الاخرى والثروة الحيوانية التي لم تشكل اكثر من 3% من صادرات السودان حتي العام 1956!! ولم يتجاوز التصنيع نسبة 1% من اجمالي الانتاج الاهلي !!!كما ان سياسة المستعمر للايفاء بسياسة الاستعمار التي تخلق من المستعمرات سوقا للسلع الاستهلاكية التي تصنع في البلاد الاستعمارية جعلته يعتمد القطن صادرا اساسيا بنسبة 64% من قيمة الصادرات مقابل 63% من واردات استهلاكية! فأسس بذلك لهذه السياسة التي استمرت من بعده في غالب العهود الوطنية كما اسس لأن تكون نسبة 60% من ايرادات الدولة تأتي من الضرائب المباشرة وغير المباشرة جاعلا من الدولة السودانية دولة جبايات تجبى من جميع انحاء السودان لتسلم للمركز لاعادة توزيعها حسب سياسات المركز!! وقد لا يصيبهم منها حظا. الا ان اكبر سلبيات قيام مشروع الجزيرة والسياسات الاقتصادية التي ارتبطت به هي اهمال القطاع التقليدي المطير حيث الزراعة المطرية والرعي والذي يعيش فيه اكثر من 87% من سكان البلاد حتى ستينيات القرن المنصرم مقابل 61% في تسعينيات ذات القرن ومن ثم جعل السيادة الاقتصادية لا تزال للاقتصاد الريعي. ما خلفه الاستعمار من هيكل وسياسة اقتصادية اتبعته الحكومات الوطنية بحذفاره وان كان هنالك اختلاف فهو اختلاف مقداري لا نوعي فقداستمرت سياسة الاعتماد علي مشروع الجزيرة واقتصاد الغلة الواحدة،وحصر الاستثمارات والتنمية في مناطق وسط السودان لطبيعتها التي لا تحتاج لاعمال اية مجهودات آلية او فنية وللتحسن النسبي في البنيات الاساسية وبالتالي تضيق قاعدة الاقتصاد ويستمر اهمال بقية اجزاء البلاد والقطاع التقليدي ليتعمق التمايز الاقتصادي والاجتماعي. حتى محاولات انشاء مشاريع في المناطق المطيرة بانحاء السودان المختلفة جاءت مدمرة للبيئة الطبيعية والااجتماعية والاقتصادية في آن معا وكانت تعميقا للتفاوت الاجتماعي والاقتصادي بوجه جديد فقد خصصت المشاريع في هذه المناطق لسكان الوسط من اصحاب المال والنفوذ الوظيفي والاجتماعي ولم ينل منها السكان الاصليون حظا فهجروا مناطقهم الي الوسط كعمال واصحاب مهن وحرف هامشية والادهى ان الفائض الاقتصادي الذي تعود به لا يستثمر في المنطقة اعمارا وتنمية لها وانما يعيد اصحابه استثماره في الوسط في انشطة طفيلية لا علاقة لها بالانتاج كالمشاريع الخدمية، الاتجار في العملة والعقارات. وقد امتدت آثار هذه المشاريع السيئة الي البيئة بتدمير القطاع الغابي والمراعي.   ولعل انماط الانتاج غير المتوازنة هذه كان لها آثارا اجتماعية سالبة فيما تعلق بالقطاع المطرى التقليدى. سببت نزوحا سكانيا كبيراالي المراكز الحضرية. فدفعت الي توسع حضري غير مدروس اخل بالخدمات في المدن التي غدا سكانها 40% من إجمالى تعداد سكان السودان ، وغالبية المهاجرين الى الحضر يأتون من مناطق القطاع التقليدي، وهم بلا مهارات تؤهلهم لشغل وظائف حيوية، فيمتهن غالبهم المهن الهامشية. هذا الوضع سبب في انتشار البطالة في المدن،الجرائم والضغط علي كافة اشكال الخدمات والسكن وسبب اهمالا وهجرا لمناطق الانتاج التقليدية مما يهدد موارد البلاد الطبيعية المتجددة مما يجعل التدهور البيئي وشيك الحدوث فضلا عما يتهدد بعض هذه المناطق من تصحر. لم تقف الآثار علي النزوح وما اصاب المناطق التي نزح منها والتي تم النزوح اليها وانما تصاعدت لتخلق صراعات سياسية وجهوية وحروب اهلية تكاد ان تعصف بالبلاد.

ذهب الاستعمار وجاءت الحكومة الوطنية الاولى 1956-1958بافق لم يتجاوز شعارات ماقبل الأستقلال التحرير لا التعمير لذا كان مجهودها مقتصرا علي انجاز البرنامج الوطني والسيادي لدولة استقلت حديثا كرفع العلم،السودنة والبعثات الدبلوماسية التي تمثل البلاد في المحافل الدولية ولم تعر اهتماما بما خلف الاستعمار من هياكل ادارية واقتصادية وبالتالي سارت الحكومة الوطنية علي تركة المستعمر في هذين المجالين لتجعل من الاستقلال استقلالا شكليا لم يصحبه تغيير اقتصادي او اجتماعي نمطا او هيكلا.

ما يلحظ علي الحكومة الوطنية الاولى انها جاءت في اطار هيمنة سياسية للشرائح الاجتماعية العليا في المجتمع والتى احتلت مكانتها هذه في العهد الاستعماري تسنما لاجهزة الدولة التشريعية والادارية والاهلية، واحتازت على الوظائف القيادية ، التسهيلات البنكية، الرخص التجارية وتصديقات المشروعات الزراعية والصناعية. وقد تمثلت هذه الشرائح في ملاك مشاريع القطن الخاصة، ملاك المشاريع الزراعية، الزعامات القبلية والدينية، وكلاء الشركات العالمية التي كانت تعمل في مجالي الاستيراد والتصدير وهي شرائح ريعية يهمها ما تنال من امتيازات غير مستحقة ومن كسب سريع لا يعود بفائدة علي المجتمع ونمائه وشرائح كهذه لا يهمها تغيير هيكل اقتصادي افادها ماليا واجتماعيا لا سيما ان الجهاز التنفيذي للحكومة لا يعبأ بهكذا تغيير،  لذا استمر الحال على ما كان عليه من تهميش للاقاليم خارج منطقة الوسط النيلي وتركها مصدرا رخيصا للعمالة والمنتوجات الزراعية والحيوانية واستمر مشروع الجزيرة بقرة مقدسة في مجال الاقتصاد السوداني بكل السياسات المرتبطة به وما يترتب عليها  من آثار سلبية علي الاقتصاد السوداني. ومما لا يحمد للحكومة الوطنية الاولى رغم قصر فترة حكمها انها لم تسعى لتغيير الهيكل الاقتصادي الموروث من الاستعمار، لم تخطط لتنمية متوازنة، ولم تسعى لتنويع التجارة التي شكل القطن 64% من اجماليها ،كما انها لم تسعى لتخفيض منصرفات الجهاز الاداري للدولة والذي كان بمعدل 31% من الدخل وهو ذات منصرف الامتيازات التي كانت تمنح للكادر الاستعماري ولم تضع يدها علي القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية فضلا عن انها لم تنحاز للفقراء والعاملين وصغار المستخدمين بتحسين مستوى معيشتهم أو برفع اجورهم وتحسين شروط عملهم ولم يتجاوز نصيب الفرد من الدخل القومي 26 جنيها في العام. 

في الاعوام 1958- 1964 كانت الحكومة العسكرية الاولى والحق يقال ان هذه الحكومة انمازت في سياستها الاقتصادية عن كل الحكومات الوطنية ما سبق وما لحق ورغم اخفاقها سياسيا في قضايا الحريات ، الديمقراطية والحرب الاهلية في الجنوب الا انه لا معدي لاي محلل نصيف من ان يثبت فضلها في الجانب الاقتصادي ، فقد اهتمت هذه الحكومة بالتخطيط الاقتصادي بمعناه العلمي الحديث اذ وضعت ما عرف بالخطة العشرية (1960-1970) وهذه محمدة كسمت اقتصادي متقدم رغم ما يؤخذ علي بعض ما جاء فيها، واحدة من اهدافها التى تنال رضانا هو العمل علي تحويل 800 الف عامل من القطاع التقليدي الي عمال زراعين بالقطاع الحديث، تخصيص 70% من استثمارات الخطة في المجال الزراعي بانشاء خزان الرصيرص للاستفادة من حصة السودان من مياه النيل لري مشروع الجزيرة ومشروع المناقل الذي انشئ بموجب الخطة كأمتداد لمشروع الجزيرة بمساحة 800 الف فدان ولتوليد الكهرباء ، كما انشئ خزان خشم القربة ومشروع حلفا الجديدة الزراعي وقد اسهمت هذه المشاريع في انشاء 450 مدينة وقرية كالمناقل و24 عبود او 24 القرشي فيما بعد وضاعفت من مساحة الارض المزروعة وادخلت 50 الف اسرة في دائرة الانتاج وما يؤخذ علي هذه المشروعات انها استهدفت الاستمرار في زراعة القطن للتصدير مواصلة للنهج السابق دون تجديد، كما انها جاءت استمرارا لسياسة تركيز الاستثمارات في المنطقة النيلية الوسطى وان المستفيد الحقيقي هي ذات الشريحة القديمة من اصحاب الرخص الزراعية ووكلاء شركات التصدير.

وشملت الخطة توسعا افقيا كبيرا في مجال الزراعة الآلية في جنوب النيل الأزرق في الدالي والمزموم واقدي وقد يؤخذ عليها ان المشارع وزعت علي كبار رجال الخدمة المدنية والعسكرية والتجار ورجالات الادارة الاهلية الذين احتازوا على كثير من التسهيلات المالية والاعفاءات الضريبية.

وتضمنت الخطة العشرية فيما تضمنت تشجيع وتنمية الصادرات وتقليل الواردات، تنويع الصادر لخلق الفائض في الميزان التجاري وسد العجز فيه وخفض العجز في ميزان المدفوعات ورغم ان الخطة لم تحقق كامل النجاح لما احاط من ظروف سياسية واقتصادية انتهت بحرب الجنوب وثورة اكتوبر 1964 الا انها تظل بارقة اقتصادية تحمد لنظام الفريق عبود.

ومن حسنات نظام عبود الاقتصادية انه اسس القاعدة الصناعية للبلاد خاصة في مجال التصنيع الزراعي كمصانع سكر الجنيد، حلفا الجديدة وملوط. تعليب الخضر والفاكهة في كريمة وواو، مصنع البان بابنوسة، تجفيف البصل بكسلا والكرتون باروما، النسيج بأنزارا ومناشير الخشب بالجنوب وقد كانت معظم هذه المصانع في اطار الدعم الروسي، ورغم ان الفشل لازم معظم هذه المصانع لسوء التخطيط الا انها تظل علامة فارقة في مسيرة التصنيع في السودان. ولم يكتف نظام نوفمبر بالطفرة الصناعية في القطاع العام وانما منح القطاع الخاص التسهيلات والامتيازات التي مكنته من ولوج المجال الصناعي فكانت المصانع المعتمدة علي الخام المحلي كمصانع النسيج، الزيوت والصابون بدرجة حققت الوفرة والثبات في الاسعار.

ولا نرى حرجا في ان نصف سياسة عبود الخارجية بانها كانت سياسة عبقرية في ظروف دولية شائكة اثمرت عن استقطاب المساعدات اللازمة للتنمية والتعمير من اقطاب متنافرة ومتشاكسة والحرب الباردة في اوجها اذ انضم السودان لكتلة عدم الانحياز واعترف بالصين واستقطب دعم امريكا وروسيا والدول الاشتراكية. حكومة عبود لم تكتف بالمشروعات الانتاجية فحسب وانما انجزت في مجال الخدمات والبنيات التحتية الكثير مثل خطوط السكة حديد والمشاريع الزراعية الصغيرة لتنمية الارياف والمناطق النائية، ابرام اتفاقية جديدةلتقاسم مياه النيل. واستفاد النظام من المعونة الامريكية في بناء الطرق ومن قروض البنك الدولي ومساعدات دول اوربا الغربية ومن قروض روسيا لانشاء العديد من المصانع وقد وظف النظام سياسته الخارجية باقتدار في جلب القروض والمساعدات لاحداث قدرا من التنمية مستفيدا من كفاءة وانضباط الخدمة المدنية آنذاك وفي ذلك العهد تعافى الاقتصاد من حيث معايير الانتاج والاستهلاك. شهد ذلك العهد تطورا في الطرق والمواصلات اذ انشئ طريق مدني، طريق المعونة،كبري شمبات واجنحة اضافية لكبري النيل الابيض ومددت السكة حديد الي الدمازين، نيالا، واو وتم تطوير النقل النهري وخدمات التلفون وانشئت الخطوط البحرية السودانية بدعم يوغسلافي للعلاقة المميزة بين البلدين حينها.

اهتم نظام عبود بمجانية الخدمات الصحية والتعليم،وفي مجال التعليم زادت عدد المدارس في المراحل المختلفة وشجع التعليم الاهلي وادخل نظام المكتبات المدرسية ، وتم الاهتمام بالتعليم الفني والتدريب المهني فانشئت العديد من المدارس الصناعية وانشئت المدارس والمعاهد الاسلامية في الجنوب وانشئ معهد المعلمين العالي الذي اصبح فيما بعد كلية التربية. وفي مجال الثقافة انشئ التلفزيون ، المسرح القومي، وعدد من المسارح في مختلف انحاء البلاد واهتم بالانتاج السينمائي.

في فترة الديمقراطية الثانية التي اعقبت ثورة اكتوبر (1964-1969) ايضا لم يشهد الاقتصاد تغييرا في هيكله الا انه قد حدث توسع افقي في الزاعة الآلية وتم توزيع مساحات شاسعة في منطقة القضارف وبعضها في منطقة الدمازين وكذلك منطقة هبيلا في جنوب كردفان الا أن ما يعاب علي هذه المشاريع ان مشاريع القضارف قد شهدت تنافسا محموما من الاحزاب ومنسوبيها حول الرخص ، التسهيلات والاعفاءات وفي هبيلا تم نزع الاراضي من اهل المنطقة الاصليين ومنحت لوافدين استغلوا فوائض المشروع في مناطقهم وليس منطقة المشروع وقد اضر مشروع هبيلا بالرعي والثروة الغابية والبيئة. ومما يذكر ان هذه الفترة شهدت تدخل البنك الدولي مانحا لقروض انشئت بها المؤسسة الزراعية الآلية وقد فرض البنك الدولي شروطه القاضية بدعمه للقطاع الخاص كسلفيات لجلب الآلات واعمال النظافة والتخزين. ورغم ما حدث من توسع الا ان لشرائح الفقيرة من المجتمع لم ينلها نصيب من التنمية او الرخاء.

بعد الديمقراطية الثانية جاءت فترة نظام مايو (1969-1985) ومع مايو شهدت البلاد اول محاولة لتغيير الهيكل الأقتصادي الموروث من عهد الاستعمار رغم ما صاحب ذلك من تخبط وفشل فبدأت مايو بتأميم ومصادرة الشركات والمصانع والبنوك الخاصة لتتحول الي مؤسسات قطاع عام وتدخلت الدولة تدخلا مباشرا في الحركة الاقتصادية وتحكمت مركزيا علي الاسعار والاستيراد والتصدير ، كما قامت بأعلان الخطة الخمسية (1970-1975) وعدلت الي الخطة الستية ثم استراتيجية سلة غذاء العالم. في العام 1975 انشئت الهيئة العربية للاستثمار الزراعي والتي كانت الخرطوم مقرا لها وتم انشاء شركة كنانة للسكر بمساهمات كويتية وسعودية. رغم ان مايو كسابقاتها اهتمت بصورة اكبر بالمشاريع المروية في الوسط النيلي الا ان ما يحمد لها محاولة التنويع بادخالها لزراعة وصناعة السكر. كما قامت بتوزيع 10 الف فدان للزراعة الآلية في دارفور وشهدت الزراعة الآلية توسعا افقيا كبيرا اذ وزعت ملايين الافدنة لكبار الموظفين والتجار وزعماء القبائل والشركات الخاصة التي منحت 20 شركة منها خلال اربعة سنوات حوالي 2 مليون فدان في القطاع التقليدي وفي العام 1980 جاء قانون الاستثمار الزراعي ليمنح من وزعت لهم هذه الاراضي امتيازات واعفاءات كبيرة . وبتمويل من البنك الدولي في 1978 انشئت هيئة تنمية غرب السافنا لتنفيذ مشروع تنمية غرب السافنا. وفي العام 1979 بمنحة من صندوق التنمية الأوربي بدئ العمل في مشروع جبل مرة للتنمية. ايضا قامت مايو بمشاريع للبنى التحتية ومشاريع خدمية في مجال التعليم فانشئت العديد من المدارس وبعض مؤسسات التعليم العالي والمستشفيات.

رغم ان مايو سعت لتغيير الهيكل الاقتصادي ونجحت في استقطاب المساعدات والدعم المالي من الشرق، الغرب والعرب الا ان الاقتصاد السوداني في عهد مايو مر بمنعطفات وازمات خطيرة . تمثلت هذه الازمات في فقدان الحكومة علي السيطرة علي القرار الاقتصادي وفقدت القدرة علي ابتداع حلول للمشكلات والازمات الاقتصادية فوقعت فريسة للمنظمات المالية العالمية لتخضع لما تمليه عليها من قرارات اقتصادية فقد ائتمرت الحكومة المايوية بامر البنك الدولي لتصفية مزارع الدولة في قطاع الزراعة الآلية، والتي انشئت لتأمين احتياطي الذرة ولمساعدة المزارعين بالخبرات والآليات . بهذه التصفية انفتح الباب امام القطاع الخاص الذي نال دعما من البنك الدولي ليحقق فوائض مالية ضخمة خصما علي مكاسب القطاع التقليدي. لم تولي حكومة مايو القطاع التقليدي حقه من الاهتمام بترقية تكويناته الخدمية والانتاجية ففي الفترة (1977-1984) رصد اعتماد مالي ضئيل بقيمة 220مليون جنيه سوداني في اطار برنامج الاستثمار وهو ما يعادل 22% من جملة الصرف الفعلي لمخصصات القطاع الزراعي الذي يشتمل علي مشروعات الثروة الحيوانية ،الخدمات الزراعية وتنمية الموارد الطبيعية . وبلا ادنى شك ان هذا المبلغ لا يتسق واحتياجات القطاع التقليدي او اية نية او افق لتطويره او اعتبار وادراك لأهمية ذلك القطاع الذي يسكنه اكثر من 60% من سكان البلاد وينتج ما يفوق ال 50% من جملة المحصولات الزراعية ويسهم ب 30% من الصادرات الزراعية فضلا عن المقدرات الكامنة فيه. وبالنسبة للثروة الحيوانية في ذات الفترة المشار اليها وفي اطار ذات برنامج الاستثمار صرفت نسبة 6% علي هذا القطاع ورغم ضآلة المنصرف فانه اقتصر فقط علي ترتيبات وتجهيزات لضمان تدفق الماشية الي مراكز التصدير والاستهلاك وانشاء مشاريع حول العاصمة لانتاج العلف ، الالبان وانتاج الكتاكيت. ولم تحظ مناطق الرعي التقليدي باي تطوير لترقية الانتاج ولم يتجاوز نصيب ادارة ابحاث وخدمات الانتاج الحيواني ال 2 مليون والتي تعادل 5% من مخصصات الثروة الحيوانية، ورغم ضآلة هذا الدعم فانه وللغرابة وجه اكثر من نصف هذا المبلغ لمناطق ليس لها علاقة بالانتاج الحيواني كمحطتي عطبرة والهدى مع اهمال تام للمحطات الواقعة في مناطق الانتاج الرعوي كالغزالة جاوزت مثلا. وفي اطار دعم ادارة الخدمات البيطرية فقد صرفت نسبة 68% من الدعم المخصص فيما لا علاقة له بتطوير الانتاج الحيواني وانما خصص للانشاءات التي تخدم التسويق فقط بغية التصدير كمؤسسة تسويق الماشية واللحوم، مخازن التبريد ، بناء منازل للموظفين، مكاتب في فتاشة، جبل اولياء ، الكدرو وابو دليق حتي ان مشروع طريق الماشية اعاقته مشكلات عديدة. الا ان اكبر سوءات مايو هو تفشي الفساد الاداري في القطاع الاقتصادي في مجالاته المختلفة بدرجة اختلت بها اولويات الصرف وعدالة توزيع الاستثمارات ، رغم ان معظم الاموال التي استخدمت كانت منحا او قروضا من مؤسسات دولية مما اثر علي القطاع التقليدي رغم توصيات منظمة العمل الدولية التابعة للامم المتحدة 1976 والقاضية بتطوير القطاع التقليدي الرعوي والزراعي، بالعمل علي استقرار الرحل، تأسيس البنيات الأساسية وتوفير التمويل اللازم. كما ان مايو ابتدعت انواعا من الفساد لم تكن مألوفة في الاقتصاد السوداني كتواطؤ مع جهات اجنبية لتسويق منتجاتها وصرف المنح والقروض فيما لم تخصص له كما حدث في مشروع جبل مرة للتنمية 1979 بمنحة من صندوق التنمية الاوربي وكذلك مشروع غرب السافنا الذي انشئت بموجبه (هيئة تنمية غرب السافنا) 1978 بتمويل من البنك الدولي وفي تنمية موارد غرب السودان الممولة من اطراف عديدة منها برنامج الغذاء العالمي ومنظمة الساحل التابعة للامم المتحدة لم ينفق علي تنمية موارد غرب السودان اكثر من 3% من مخصص القطاع الزراعي (1977-1984)، كل هذه المشروعات وجهت الحكومة جل المبالغ المخصصة لها الي بناء المكاتب ، المنازل ، العربات والمرتبات. وفي مايو برز سوء التخطيط والتنفيذ كمعوق اساسي لنجاح كثير من المشاريع كما برز استغلال اعفاءات الجمارك علي ما يتعلق بمشاريع تنموية وبيع هذه الواردات المعفية من الجمارك في السوق واستغلالها في نشاطات طفيلية. وفي مايو ظهرت سوءات المتاجرة في العملات، السوق الاسود والنشاط الطفيلي كما ان في عهد مايو كان ميلاد الطفيلية الاسلامية ( عقب المصالحة الوطنية في منتصف السبعينيات) التي استمرت الي يومنا هذا تنخر في اقتصاد السودان ومقدراته.

انتهت حقبة مايو بانتفاضة شعبية في العام 1985 مخلفة وراءها اقتصاد طفيلي، فساد اداري ، قطاع تقليدي مأزوم ، تصحر وجفاف، حروب ومجاعات ، تدهور بيئي ودين خارجي بلغ 14.3 مليار دولار.

بعد انتفاضة ابريل والسلطة الانتقالية، جاءت فترة الديمقراطية الثالثة (1986-1989) وهي فترة تراجع فيها الاهتمام بالاقتصاد والتنمية لصالح القضايا السياسية من ناحية وقضايا الامن من ناحية أخرى، فكانت هنالك قضايا سياسية ساخنة كقضايا تصفية آثار مايو، القوانين، الائتلافات الحزبية لتكوين الحكومات وقضية السلام بين الشمال والجنوب وفياضانات 1988فشغلت هذه القضايا وتدابير الامن والحرب بال الحكومة والمواطن على حد سواء فقد اتسعت رقعة الحرب بجنوب السودان وجنوب كردفان وجنوب النيل الازرق والصدامات القبلية في دارفور وانتقال النزاعات التشادية تشادية ، والليبية تشادية الي ارض دارفور. هذه الاوضاع لم تتح مجالا لعمل تنموي فضلا عن انها دمرت البنيات الاساسية رغم ضعفها الكائن سلفا وعطلت الحياة الانتاجية والاقتصادية العادية ودفقت اعدادا من اللاجئين والنازحين اضافت عبئا اقتصاديا علي البلاد، لذا كان الهم الاكبر للمواطن والحكومة توفير الحد الادنى من متطلبات المعيشة. وقد كان لهذه الاحداث وما انتجته من اختلال أثرا سالبا علي القطاع التقليدي الزراعي والرعوي. وقد شهدت هذه الفترة معدل نمو سلبي حيث التزمت الحكومة بموجهات مؤسسات التمويل الدولية التي قضت بتخفيض الصرف علي الخدمات الاجتماعية والتنمية وجنبت قدرا من العملة الصعبة لسداد الدين الخارجي، رغم ان توزانا ما قد حدث بالنجاح الاستثنائي للموسم الزراعي 1988/1989الا أن اسوأ ما في هذه الفترة تنامي الطفيلية الاسلامية (التي وجدت متسعا لها عقيب المصالحة الوطنية في عهد نميري) وهيمنتها علي النشاط الاقتصادي غير التنموي وغير المنتج. فأفرخت وباضت ،مستفيدة من تدهور البنيات الاساسية للاقتصاد المعافى وايقاف النشاطات الاستثمارية بغية تسديد الاستحقاقات الخارجية، لذلك تمددت شرائح الطفيلية الاسلامية في الفترة 1985- 1989 في القطاع التجاري ومعظم القطاعات مضاربة في المحاصيل ، مواد الغذاء ، الفحم ، العقارات والعملات في وقت انشغلت فيه الحكومة عن الاستثمار والنشاط الاقتصادي بما هو سياسي وامني علي نحو ما ابنا مقدما ، وبما ان الحكومة الديمقراطية قد اعلنت ( برنامج الانقاذ الرباعي 1986) قد سعت لتنزيل مضامينه كبرنامج لكنس آثار مايو ومنها الاقتصاد الطفيلي المدعوم بالمؤسسات الاسلامية الربوية، الا ان هذه الشرائح الاسلاطفيلية توجست من هذا البرنامج الذي سيحاصر مجال نشاطها في ظل احتلال الاتحادي لقطاع التجارة والامة لقطاع الزراعة ولوعي العاملين بالمؤسسات المنتجة الأخرى ومطالبتهم بتصفية النشاط الطفيلي لم تجد هذه الشرائح الاسلاطفيلية الا ان تهرب اموالها بحكم ارتباطاتها العالمية كحل عاجل وان تنقلب علي نظام الحكم تعطيلا لبرنامج الانقاذ الرباعي الذي يتهددها.

في العام 1989 جاءت حكومة الانقاذ بانقلاب عرابه الحزب السياسي لشرائح الطفيلية الاسلامية ، ولم تأت الأنقاذ ببرنامج اقتصادي بقدر ما جاءت لنقض ما غزلته الديمقراطية الثالثة من برنامج الانقاذ الرباعي الذي جاء لتصفية اقتصاد الجبهة القومية الاسلامية فكان نهج الانقاذ هو حماية اقتصاد الجبهة القومية الاسلامية والتمكين له.فهي قد تقفت آثار برنامج الانقاذ الرباعي أثرا بعد أثر. فقد نادى البرنامج بعدالة توزيع الثروة والدخل وهي جعلت منهما غنيمة وفيئا لمنتسبيها، ونادى البرنامج باعادة واصلاح الهياكل الاقتصادية فهي باعت المؤسسات وخصخصتها لصالح منسوبيها، البرنامج نادى بتصفية الشريحة الطفيلية واقتصاديتها والانقاذ مكنت لها، والبرنامج نادى بدعم الصحة والتعليم والانقاذ اهملتهما وكما جاء في تقرير وزارة المالية والبنك الدولي 2003 فقد حولت 50% من مخصصاتها مضافا اليها تحويلات المغتربين لتمويل مشروع البترول. بل زادت الانقاذ كيل بعير بالتزيد في سياسة التحرير الاقتصادي ومضت به الي ابعد مداه.وقد وجدت ذريعة ومبررا لتجيير مقدرات واقتصاد البلاد لصالح منسوبيها بما تجده من حصار دبلوماسي واقتصادي بسبب سياساتها الخارجية الرعناء وسجلاتها السوداء في مجال حقوق الانسان ورعاية الارهاب. ولعله من الواجب ان نقف قليلا عند سياسة التحرير الاقتصادي (1990-1993) والتي صاحبها تبديل العملة 1991 وتخفيضها فيما بعد .وقد جاء في طيات هذه السياسة ،   استنادا الي تقرير بنك السودان للعام 1991، رفع المستوى التمويلي لقطاعات الاقتصاد المنتجة وذلك برفع السقوف الائتمانية للبنوك بنسبة 80% بقصد تغطية رأس المال التشغيلي لقطاعات الزراعة، الصناعة، الحرفيين، الصادر،النقل والتخزين بتمويل قصير الاجل وبرأس مال ثابت في شكل تمويلي متوسط وطويل الأجل علي ان تخصص نسبة 40% من سقوف البنوك للقطاع الزراعي وان تكون جملة التمويل المخصص للفروع العاملة بالارياف 50% من جملة الودائع. الا ان تنفيذ هذه السياسة جاء مختلا فقد بدأ تمويل القطاع الزراعي بأقل مما حدد له 35% وبدأ متوالية التدهور والتناقص خاصة في سنوات استخراج البترول الي ان وصل4.4% في 2005 وللتدليل علي خطل السياسة الاقتصادية للانقاذ فلننظر للعام (2003-2004) لنرى كيف انها اهملت القطاع الزراعي بشكل عام وبشكل خاص القطاع الزراعي التقليدي الذي يعتمد علي الامطار والذي يقطنه ما يقارب 70% من السكان ويشكل اكثر من 60% من المساحة المزروعة بالمحاصيل بمساحة تراوحت هبوطا وصعودا مابين (30-40)مليون فدان منح هذا القطاع علي اهميته ما لا يتجاوز 5% من التمويل الزراعي،قياسا بالقطاع المطري الآلي الذي تتجاوز مساحته ال 40% بقليل تقدر بحوالي 14 مليون فدان وقياسا بالقطاع الزراعي المروي بمساحة لا تتجاوز ال 5% من المساحة المزروعة بالمحاصيل والتي تقدر بما يزيد قليلا عن 2 مليون فدان الذي ينال 80% من التمويل الزراعي.يحدث هذا رغم عائدات البترول التي مدت الحكومة بالكثير من المال.وبكل تأكيد ان سياسة الانقاذ الزراعية تعميق للتهميش والاهمال لمعظم المواطنين الذين يمتهنون الزراعة. ولم تضع الانقاذ في حسبانها ما تعود به الزراعة علي البلاد وما تضيفه من قيمة لجملة الناتج المحلي الاجمالي . كما نلحظ ان جملة الاستثمارات في القطاع الزراعي لم تتجاوز نسبة ال 4% طوال الفترة 1990-2004 ، والادهى ان الانقاذ بوعي او بغيره ورغم شعاراتها المرفوعة وما ان احتازت علي عائدات البترول حتى نحت منحى استهلاكيا لا علاقة له بالانتاج فلو نظرنا الي مقارنات بسيطة نلحظ هذا التحول ففي العام 1991 كانت جملة التمويل المصرفي للواردات والتجارة الداخلية دون ال 16% بينما تجاوز ال 51% في العام 2005وفي العام 1990 بلغت قيمة الواردات الغذائية 72 مليون دولار والملابس والمنسوجات 3مليون دولار بينما بلغت الواردات الغذائية 813 مليون دولار والملابس والانسجة 336 مليون دولار للعام 2005 وطبيعة الوارد العينية توضح بجلاء ازمة أخرى وهي ان الصناعة السودانية عاجزة عن توفير هذه الواردات التي اتسمت في مجملها بالكمالية اذ لم تتجاوز نسبة واردات مدخلات الانتاج ال 3% من جملة الوارد الذي تمثل في الحلويات، البسكويت، بن، شاي،منتجات الألبان، المشروبات المعدنية، العطور ، مستحضرات التجميل، عربات صالون، منسوجات كأعلي نسبة وارد،راديوهات ، اجهزة اتصال ، تلفزيونات قمح ودقيق لسد الفجوات الغذائية.

ولم تكن سياسة الاستيراد والتصدير الانقاذية راشدة باي حال من الاحوال مما سبب اخلالا بالميزان التجاري علي الدوام ففي 1990-1999 كانت الصادرات بجملة قيمتها 17 مليار دولار تقريبا تقابلها من الواردات 26 مليار دولار وفي الفترة 1999-2005 كان الصادر بجملة ما قيمته 18 مليار دولارتقريبا يعادلها من الواردات 22 مليار دولار بعجز في الميزان التجاري يبلغ 4 مليار دولار رغم ان هذه الفترة هي فترة تصدير المنتج البترولي!!! الذي كان سلبا علي كم صادرات البلاد غير البترولية والتي تناقصت بنسبة تجاوزت ال 50% في العام 1999/2000.

انتهت الانقاذ الي تصفية مؤسسات القطاع العام نهبا ، بيعا، ايجارا وجعلت منها غنيمة لمنسوبيها فانهارت معظم المؤسسات وبيعت باثمان بخسة وما ظل منها فهو في طريقه لذات المصير المحتوم كالنقل النهري ، الموانئ البحرية، السكة حديد،الفنادق ، المصانع، المشاريع الزراعية والبنوك.ولم تكتفي الانقاذ بالبيع والخصخصة وانما نشرت الفساد في تسهيلات الرخص التجارية والاعفاءات ومرتبات ومخصصات المنسوبين للانقاذ، وجعلت من المال العام مالا مستباحا فقد جاء في تقرير المراجع العام لسنة 2008 ان حجم الاعتداء علي المال العام بلغ 5.4 مليار جنيه ومتعثرات الاموال المصرفية 15 مليار دولار، كما يقدر هدر المال العام في (1989-2009) ب 25 مليار دولار بدرجة صنفت السودان من الدول الاكثر فسادا في العالم لسنوات تتالت كما توضح تقارير منظمة الشفافية الدولية. فضلا عن هذا كله ادخلت الانقاذ البلاد في سلسة حروب جعلتها تخصص 75% من الميزانية للدفاع والامن وظهرت تجارة الاسلحة، المخدرات ، الاتجار في البشر وجرائم غسيل الاموال. وقد شهدت سنوات استخراج البترول (1999-2011) نهبا مريعا لعائداته والذي قدر ب 60 مليار دولار كما لم يسلم عائد تعدين الذهب العشوائي فيما بعد من النهب المريع ايضا.وقد قفز الدين الخارجي الي 43 مليار دولار من حوالي 13 مليار في العام 1989 هذا غير مضاربات الاراضي والعقارات بواسطة كبار رجالات الحزب الحاكم والتي اضحت سمتا لعهد الانقاذ مع بيع يستبطن فسادا لاراضي السودان للبحرين والكويت.

الا ان ثمة ما يجب الوقوف عليه استصحابا لمذكرة البنك الدولي 2001 اذ يلحظ ان الانقاذ حققت قدرا من النموالاقتصادي خلال فترة التسعينات وزاد من استمرارهذا النمو انتاج البترول، الا انه مع هذا النمو الاقتصادي ظلت ظاهرة الفقر وقصور الخدمات وعدم عدالة توزيع الدخل هي المسيطرة علي المشهد ليتلخص الامر كله في زيادة ايرادات الحكومة.

والحق يقال بان الانقاذ قد نجحت في تخفيض التضخم من 100% في (92/1996) الي 10% ما بعد 1997 رغم ظروف الحرب الاهلية والمقاطعة الاقتصادية، فقد لجأت الي تخفيض الانفاق العام بما زاد عن 50% في الفترة(92/1996) مقارنة مع اجمالي الناتج المحلي وتبعا لذلك انخفضت الخدمات الاجتماعية . كما بلغت نسبة النمو 9% في (2005/2007) وهي نسبة وضعت السودان من ضمن الدول الأكثر نموا في المنطقة خلال العقد الاخير وقد ساهم البترول في زيادة الدخل القومي بنسبة 1.6% في 2007 وزاد متوسط دخل الفرد نحو اربعة اضعاف 360 دولارا للعام 1999 الي 1600 دولارا في العام 2008 الا ان ذلك صاحبه فقر غذائي في معظم الارياف بنسب تفاوتت ما بين 48% الي 81% وبلغ متوسط الفقر الانساني 49% هذه النسب صنفت السودان ضمن افقر 147 دولة في العالم طبقا لمؤشر التنمية الانسانية . هذا الواقع يعكس حقيقتان هامتان هما ان الزيادة والتمدد في دخل الفرد وانتشار الفقر يعني ان تمايزا اجتماعيا قد حدث فالنماء منحصر في شريحة توزعت في العاصمة وبعض مراكز الحضر وغالبية تقدر ب 70% جلها في الريف الذي يمتهن الزراعة سبيلا لمعاش.مما يجعل علاقة الفقر مرتبطة بالقطاع الزراعي الرعوي التقليدي الذي اصبح هامشا. فكانت النتيجة استمرار تصاعد معدلات الفقر وضعف التنمية البشرية وازياد التهميش للقطاع التقليدي الذي يشكل القطاع الزراعي الذي كان اسهامه متناقصا في الدخل القومي 36% في 2008 مقارنة ب 50% في 1999 واكثر ما يبين ذلك في الصادر 52% في 1999 مقابل 4% في العام 2007.

الا ان الخلاصة التي تبقى هي ان وتيرة التنمية قد تراجعت بشكل مريع في عهد الانقاذ بسبب الاتجاه للبيع والخصخصة بل ان عهدها شهد انهيار مشروعات قائمة كمشروع جبل مرة بدارفور بعد خصخصته وبيع منشآته الأدارية وعرباته وآلياته، وتوقف مصنع النسيج ومدبغة نيالا والعيادات البيطرية المتحركة ومشروع تحسين الماشية وتسويق الالبان عن العمل. وقد اصدرت الانقاذ في 1990 قانونا للاستثمار اعطى تسهيلات واسعة للمستثمرين الوطنيين والأجانب ووزعت الاراضي دون مراعاة لأثر ذلك علي المواطنين اصحاب الارض ودون مراعاة لتعويضهم عن اراضيهم وكمثال من بين الامثلة العديدة توزيع 3.5 مليون فدان جنوب دارفور لاكثر من 400 شخص كلهم من رجالات الادارة الاهلية، التجار، ضباط القوات النظامية وكبار موظفي الخدمة المدنية.

وتلخيصا للمشهد الاقتصادي في عهد الانقاذ يمكننا القاء نظرة علي مذكرة البنك الدولي حول الأستراتيجية المؤقتة للسودان 2014/2015 لنرى حجم المشكلة الاقتصادية في عهد الانقاذ استنادا الي مؤشرات الاداء الاقتصادي للفترة 2010-2012 اي قبيل انفصال الجنوب وبعيده حيث تبلغ معدلات نمو الناتج المحلي الاجمالي3.5 قبل الانفصال مقابل (- 11.1) بعد الانفصال ، ونمو قطاع النفط (- 3.9 ) قبل الانفصال مقابل (- 58.2) بعد الانفصال، بينما بلغ معدل نمو القطاع غير النفطي(5.1) قبل الانفصال مقابل (- 5.1) بعد الانفصال، وبلغ معدل نمو القطاع الزراعي (- 1.2) قبل الانفصال مقابل (- 3.9) بعد الانفصال، وبلغ نمو القطاعات الاخرى (8) قبل الانفصال مقابل (- 5.6 ) بعد الانفصال، وبلغ نمو صادر السلع (5.3) قبل الانفصال مقابل (- 55.4) بعد الانفصال، واخيرا بلغ معدل ارتفاع الدين الخارجي (6.9) قبل الانفصال مقابل (84.9) بعد الانفصال.

هذا عن مؤشرات الأداء الاقتصادي في الانقاذ والتي لا تقل سوءا عن مؤشرات التنمية البشرية التي نقرأ مبلغ السوء فيها في تدني مستوي المعيشة للمواطن، وبؤس التحصيل العلمي والمعرفي والعناية الصحية التي توثق لها معدلات الوفيات العالية ، هذا السوء جعل مؤشر التنمية البشرية للسودان في العام 2012 يضعه في المرتبة 171 وفقا لهذا العرض لحال الاقتصاد السوداني في عهد الانقاذ ، التي اعتمدت علي نظام حكم اقصائي افرز مؤسسات اقتصادية شيمتها النهب ، لتكون المحصلة تخلفا ونزاعات راعفة دفعت بالسودان في تصنيف العام 2013 الي المرتبة الثالثة للدول الفاشلة بعد الصومال والكنغو بحصيلة 111 نقطة في مؤشر فشل الدول. وقد شمل الفشل جميع النواحي الاجتماعية ، الاقتصادية والعسكرية . والمتوقع مزيد من الفشل لما يعانيه السودان بسبب الحكم السئ، الجيرة السيئة ، الصراع الداخلي وسوء استغلال الموارد الطبيعية.

استكمالا لقراءتنا للاقتصاد السوداني حق علينا الوقوف علي الشرائح والتشكيلات الاجتماعية ومدى تأثيرها وتأثرها بالحراك الاقتصادي . ويبدأ استعراضنا لها مع بدأ محاولات تحديث الاقتصاد. فقد نظر المستعمر الي الشرائح الاجتماعية التي يمكن ان تنهد بمشروعه الاقتصادي ذاك ، فلم يجد الا شرائح ثلاثة تمثلت في شريحة التجار من المحليين والاجانب الذين صحبوه او من تبقوا من العهد التركي من اتراك، ارمن، اغريق،مصريين وشوام وتجار الختمية هؤلاء مثلوا الشريحة التجارية التي تخلقت ونشطت منذ عهود دولة الفونج مرورا بالتركية رغم تراجع نشاطها ووضعيتها ابان الحكم المهدوي،اضافة لشريحة زعماء القبائل والطرق الصوفية ذوي الأثر الاجتماعي ثم الشريحة المنهزمة من بقايا الانصار والدولة المهدية.

وحتى نتجاوز القراءات الخاطئة لدور هذه الشرائح وعلاقتها بالاستعمار في اطار التوصيفات المنبرية من انها مثلت ذراعا أو حليفا متواطئا مع الاستعمار ونحو ذلك من سطاح ظللته الايدولوجيا والغرض السياسي علينا نخلها في اطار نشوئها وفقا لتقاطع السياقات التاريخية والسياسية التي نشأت فيها.

لقد جوبه المستعمر بواقع اجتماعي متخلف ادنى كثيرا من مرحلة التشيكلات الاجتماعية لاقتصاد رأسمالي يمكن بناء هيكل الاقتصاد عليه. اذ ساد التخلف ، عدم الدربة، قلة الوعي والقبلية وعليه لم يكن هنالك اقدر من هذه الشرائح للاطلاع بمهام رسملة واقع ما قبل الرأسمالية بما احتازت عليه من اثر اجتماعي،دربة ، وعي، نفوذ وتماسك اجتماعي.

ولما كانت الانماط الاقتصادية السائدة حينذاك، دون اقتصاد الدولة بل هي انماط تراوحت ما بين البدائية، الاكتفائية والمعيشية التي لامست طرفا من بدايات الاقتصاد النقدي كما شهدنا في الدولة التركية ومن بعدها المهدية. كانت الشرائح الاجتماعية الثلاث والمشار اليها سلفا هي الاقدر على البقاء والتماسك فلم يكن الامر عمالة بقدر ما هي محاولة من المستعمر لانتاج نموذج اقتصادي يحقق اهدافه بشراكة مع قوى اجتماعية لها قدارة علي اداء هذه المهمة. فما كان عسف الاستعمار بالمهدويين في بداياته ولا ادناءه لهم في المرحلة الثانية او مضايقاته لهم فيما بعد أو ادناءه للختمية قربا وبعدا الا في اطار سعيه لتوكيد علو كعب الاقتصاد الرأسمالي وانفاذه علي ما سواه من التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية لمرحلة ما قبل الرأسمالية ولو أن هذه المناورات جاءت في سياقات سياسية اغشت الكثيرين عن رؤية الحقيقة التي كانت محض توازنات تقتضيها تنشئة النظام الاقتصادي الجديد.

الا انه من الواجب ملاحظة ان انفاذ المستعمر للنظام الرأسمالي كان جبريا في بداياته الامر الذي خلق اخلالا في التنامي الطبيعي للتشكل الاجتماعي حيث انه اختار شرائح اجتماعية لم يفرزها حوار التشكيلات الاجتماعية لتكون تلك الطبقة التي تنهض بأعباء الرسملة، ففي بداية مشروعه ذاك بدأ المستعمر انفاذ الهيكل الاقتصادي الرأسمالي علي تشكيلة اجتماعية اقتصادية لم تكن مهيأة لذلك ولم تكن مدركة للدور الذي ينبغي ان تلعبه الطبقة الرأسمالية الحقيقية في المجتمعات ذات النظام الرأسمالي، فهو اي المستعمر استخدم هذه الفئات الثلاث لاستنهاض القطاع الزراعي مستفيدا من نفوذهم الاجتماعي والروحي لتجيير المناطق الريفية لهذا المشروع كما استخدم بعضهم في الجهاز الحكومي، واستخدم الشريحة التجارية لتحويل الاقتصاد المعيشي الي اقتصاد نقدي وسمح للآخرين بتأسيس قطاع خاص يشاركه النشاط الاستثماري تحت رقابته واشرافه.

سعي المستعمر حثيثا لتكريس نموذجه الاقتصادي برغم مركزيته الادارية فقد احدث انقلابا في ملكية الأراضي باستصداره لقانون تسوية الأرض وتسجيلها الصادر عام 1925، والذى بموجبه قننت الملكية الفردية الرأسمالية للأرض في السودان فساد نمط التملك الفردي للأراضي بوتيرة متسارعة في شمال السودان الذي كان أكثر استعداد لتقبل ذلك لتطوره النسبي اجتماعيا واقتصاديا بينما لم يكن الحال على ذات النحو في مناطق السودان الاخرى خاصة التي يسود فيها الرعي في غرب وشرق السودان.كما سمح للأجانب والختمية والانصار بتملك المشاريع الخاصة في مجال التجارة والزراعة، وكمرحلة لاحقة اتسعت دائرة المسموح لهم باحتياز المشاريع الخاصة كزعماء القبائل و العشائر والاعيان مع مضاعفة املاك من بدأوا بهم في المرحلة الاولى كالسيد عبد الرحمن في المجال الزراعي والسيد علي الميرغني في مجالي التجارة والزراعة وبعضا من التجار السودانيين والاجانب كوكلاء محليين من الاستعمار وكشريحة كمبرادورية، وهذه شريحة تم ايجادها اختلاقا ولم تأت عبر مخاض وصراع اقتصادي تاريخي.

ولعل هذه الشريحة مثلت الطليعة الاولى للشرائح الاجتماعية الاقتصادية بالسودان وكان من الممكن لهذه الشريحة ان تتنامى مكملة لمراحل نموها كطبقة رأسمالية مستوفية لأشراط النظام الطبقي ولكن يبدو ان القدر دوما ما يتربص لاعاقة التطور الطبيعي لنشوء التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية في السودان ، فبمثلما جاء الاستعمار معوقا للتمرحل الطبيعي للتشكيلات الاجتماعية قبل الرأسمالية بفرضه هيكلا لاقتصاد رأسمالي اراد به ابتداع طبقة رأسمالية لانتاج نظامه الاقتصادي ذي الهوية الرأسمالية ، مغدقا عليها ما لزم من تسهيلات واعانات الا ان رياحا قد جاءت بما لا تشتهي سفنه. اذ تزامنت هيمنة هذه التشكيلة الاجتماعية في المجال الاقتصادي مع نهايات الحرب العالمية الثانية حيث صادف بروز النظرية الكنزية في اوربا والتي دفعت بقوة لتأسيس نظام الصرف الاجنبي في مرحلة ما بعد الحرب (بريتون وودز) والذي بموجبه انشئ صندوق النقد الدولي لتثبيت نظام العملات في نظام ثابت للصرف الاجنبي عبر استقرار النظام المالي العالمي وتشجيع التجارة بعد الحرب العالمية الثانية وذلك بازالة العقبات بشأن الاقراض والتجارة الدولية والمدفوعات عبر صندوق النقد الدولي (لاستقرار اسعار الصرف) والبنك الدولي للانشاء والتعمير ، وقد قام صندوق النقد الدولي باعطاء مساعدات قصيرة الاجل للاعضاء الذين كانوا يعانون عجزا في ميزان المدفوعات وقروضا طويلة الاجل للدول ذات النمو المتدني وهذه السياسات عمدت الي استقرار سوق الفوركس حتى تحافظ الدول علي قيمة عملتها في نطاق هامش ضيق مقابل الدولار وسعر مماثل من الذهب عند الحاجة.

انعكست هذه المستجدات علي السياسة الاقتصادية الاستعمارية في السودان، اذ انها كانت دعوة للمنظومة الراسمالية للحث علي الانفاق الحكومي ونقل التقانة والانفاق الاستثماري للتحديث التنموي ولتمديد وتجديد النظام الراسمالي واعادة انتاجه.

ربما قصد العلماء الاقتصاديون والكنزيون التحديث التنموي حقيقة ، بينما سعى السياسيون لاعادة انتاج النظام الراسمالي بمنظور امني تخوفا من الصراعات الطبقية التي يمكن تفاديها ببعض الانفاق هروبا من صراع وثورات محتملة (الشيوعية كانت مهددا)، فكانت رؤية السياسين امنية اكثر منها تنموية ، فسياسة الانفاق تمدد من القطاع العام في العمل الانتاجي، وبالتالي اهملت الادارة الاستعمارية الشريحة التي بدأت في التخلق الرأسمالي وسحبت منها البساط وتطلعت هي لانشاء المشاريع الزراعية والخدمية عبر قطاعها العام مثل مشاريع القطن في الجزيرة ، القاش، طوكر،جبال النوبة ...الخ وحتى المشاريع الخدمية ومشاريع البنى التحتية كالسكة حديد، الطرق الداخلية، خزان سنار ميناء بورتسودان ولم تهتم بالصناعة لتظل البلاد سوقا للسلع المستوردة. هذه السياسة حالت دون استكمال الشريحة (الكمبرودارية) التي ساهم المستعمر في خلقها حينا ما ، لدورة نمائها لتكون طبقة قائدة للنهضة الصناعية والزراعية كما حدث لمثيلاتها في الدول الرأسمالية. والغريب ان هذه الشريحة بعد الاستقلال قد وجدت نفسها مجابهة بهيمنة القطاع العام فضلا عن العقبات الاجتماعية التي عززت من عدم قدرتها للتخلق كطبقة اساسها المصلحة، الثقافة والتميز الاجتماعي فقد كان المجتمع قبليا عشائريا وليس اقطاعيا او اقتصاديا. وخلاصة القول ان الحكم الوطني الاول لم يحدث تغييرا جوهريا في البنية الاقتصادية التي خلفها الاستعمار اذ لم يكن النمط الرأسمالي مهيمنا كنمط متكامل وانما كان منقوصا كادارة، علاقة انتاج وتشكيلة اجتماعية مما حدا بالحكومات الوطنية ان تقبض مركزيا علي الاقتصاد وتفسح متسعا للقطاع العام.

بعد الاستقلال فشلت الحكومات الوطنية من خلق اقتصاد قومي متجانس مما ادى الي تعميق الفوارق الاجتماعية بين افراد المجتمع. والمستغرب له ان كل الحكومات الوطنية كانت منحازة او يمكن القول بأنها مرتبطة دوما بالشرائح العليا في المجتمع ومعظم القرارات الاقتصادية كانت في صالح هذه الشرائح وليست الفئات الاجتماعية الضعيفة في القطاع التقليدي.ولم تستطع الدولة الوطنية في كل عهودها ان تقف على مسافة واحدة من الفئات الاجتماعية المختلفة وان تدير العملية الانتاجية لصالح الكل. وربما يعود ذلك الي عقلية وثقافة النمط الريعي الذي ساد لوقت طويل(منذ السلطنات الي عهد المستعمر) فأثر ذلك علي الشريحة العليا والدولة في آن معا. اذ تتطلع شريحة طفيلية للارتباط بالدولة للاحتياز علي امتيازات، توكيلات، تراخيص في مسلك اقتصادي لا يسهم اسهاما حقيقيا في العمل الانتاجي والاقتصاد الحقيقي وتقبل الدولة هذه العلاقة لخلق شريحة مرتبطة بها لاغراض السياسة . ورغم ما يبدو من تحالف بين هذه الشرائح وجهاز الدولة الا ان هذه الشرائح لم تكمل دورة نمائها لتتطور كطبقة رأسمالية فهي لم تبلغ مرحلة التراكم الرأسمالي دعك عن التركز الرأسمالي. ونلحظ انه رغم الهيكلة الراسمالية في عهد الاستعمار وبعيد الاستقلال فان التشكل الاجتماعي الاقتصادي الطبقي لم يتكامل فظلت قوى المجتمع شرائح ومجموعات دون الطبقة ذات المصلحة، الاهداف،الثقافة والمكانة المشتركة. نقول ذلك ولا نغفل بروز الشريحة التجارية هونا ما ، لتاريخيتها وسيرورتها التي بدأت باكرا بشكل نسبي عما عداها من شرائح، وخاضت قدرا من صراع اجتماعي رفدها بقدر من الوعي والدربة، فقد تشكلت هذه الشريحة منذ دولة الفونج مرورا بالتركية ، المهدية، الاستعمار والحكم الوطني فيما بعد، ورغم انها توسعت بعد الاستقلال الا ان تاريخها يؤكد انها كانت محدودة الاثر في دولة الفونج الا انها تطورت في عهد الاتراك بوجود العنصر الاجنبي من شوام وارمن واتراك اضافة للمكون الوطني الا انها تضعضعت نسبيا في العهد المهدوي اذ لم يكن هنالك نشاطا تجاريا كبيرا لسيادة اقتصاد الحرب بل ان التجار الاجانب تحديدا قد لقوا عسفا من المهدية خاصة في عهد الخليفة عبد الله. وحين جاءت الفترة الاستعمارية انتعشت التجارة وبرزت الشريحة التجارية في المشهد الاقتصادي لتنفذ التجار الاجانب والمهاجرين وبعض الوطنيين رغم ان طليعة وقيادة هذه الشريحة في الفترة الاستعمارية كان للتجار الاجانب. نشطت الشريحة التجارية في انشطة الاستيراد والتصدير ورغم ما توافر لهذه الشريحة من تاريخ ونضج الا انها لم تتكامل كطبقة او لمجموعة اقتصادية وانما ظلت كشريحة متميزة لها وعي اقتصادي قادها الي تأسيس الغرفة التجارية 1908، الاتحاد الاستشاري 1967 والاتحاد العام لاصحاب العمل السوداني 1977. استفادت هذه الشريحة من لعبة التوازن في عهد الاستعمار اذ كانت غالبية هذه الشريحة من الختمية والموالين لهم فتمركزوا في المدن وسيطروا علي تجارة التجزئة ، الا ان اجزاء من هذه الشريحة تأثرت بعد الاستقلال بحكم اجراءات السودنة ومحاربة النشاط الطفيلي فتأثر الاجانب من التجار وتضعضع موقفهم وصعد نجم التجار الوطنيين الذين مارسوا تجارة المحاصيل والاقمشة ولقد كانت لهذه الشريحة مبادرات من اجل النهوض بالاقتصاد الوطني.

اما الشريحة الزراعية فقد كانت بداية تشكلها عائلي الاساس ومثلت عائلة المهدي طليعة لهذه الشريحة رغم ان وضعها تراجع بعيد 1967 ببرنامج الاصلاح الزراعي الذي نفذه الشريف حسين الهندي ومصادرات نميري 1970/1971. ووعى هذه الشريحة بدورها ووظيفتها جاء متأخرا عن وصيفتها الأخرى ( الشريحة التجارية) فقد برز ذلك الوعي في تكوينها للغرفة الزراعية 1977 الا ان غياب انفاق الحكومات المتعاقبة علي البنيات الزراعية الاساسية وعلي التنمية الزراعية ادى الي تراجع اسهامها الفعلي في التنمية الزراعية. ولعل غيابها من المشهد التنموي الزراعي في بلد زراعية يعود الي تدهور البنى الاقتصادية وسيادة الطفيلية علي الاقتصاد السوداني وعقلية الريع التي لم تبارح مكانها.

اما الشريحة الصناعية هي شريحة حديثة فالمستعمر كان يتجافى الصناعة لان الهدف الاستعماري ان تكون الدول المستعمرة سوقا لاستيراد منتجاته الصناعية فضلا عن ضعف البنى والقواعد الصناعية في السودان. لذا بدأ بروز الشريحة الصناعية متأخرا شيئا ما وقد بدأ ذلك البروز محدودا ومرتبطا بالصناعات الخفيفة كصناعة المواد الغذائية ، الصابون والطباعة. وحتما ان فوائض ارباح الشريحة الزراعية والتجارية هي التي خلقت رأسمال الشريحة الصناعية ودخلت هذه الشريحة دائرة الوعي الاقتصادي بما انشأته من مصانع في فترة الستينات وبتكوينها للاتحاد الصناعي واتحاد الغرف الصناعية . ولكن الصناعة وبالتالي شريحتها قد تراجعت كثيرا لضعف البنى التحتية للصناعة وللمشكلات التي تعلقت بالقطاع الزراعي التي اعتمدت عليه فضلا عن القرارات الدولية في برنامج الانعاش الاقتصادي في عهد نميري وكذلك قرارات 84/1985

اما الشريحة او الشرائح الوسيطة من موظفين، فئويين، صغار منتجين فهم يتسمون بقدر من عدم الثبات الفئوي فهم في حالة حراك دائم اسفل واعلى السلم الاجتماعي حسب الاوضاع الاقتصادية مما يصعب من تصنيفها كشريحة مستقلة بذاتها رغم ارتباطها بالدولة وجهازها

ولو تحدثنا عن الشريحة او الشرائح الفقيرة فهي تتمدد في القطاعات التقليدية الزراعية والرعوية وفي مؤسسات الانتاج الحديثة الزراعية منها والصناعية والتي ظهرت بعيد الاستعمار وفي العهد الوطني حينما انشئت المشاريع الزراعية والمصانع التي اعتمدت نظام العمل بأجر. وتجدر الاشارة الي ان بعض فئات هذه الشريحة اتسمت بوعي مكنها من انشاء نقابات واتحادات لها وبالطبع فان هذه الشرائح الفقيرة ظلت علي اختلاف مواقعها كأكثر الشرائح الاجتماعية معاناة

ولن نزايل مقام استعراض تخلق التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية في السودان حتى نقف علي شريحة اساس تكوينها رأس المال أو يمكن القول بانها شريحة اثرياء السياسة الذين دخلوا في التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية بمؤسسات ومصارف وشركات مالية. هذه الشريحة برزت في المشهد الاقتصادي في عهد نميري في هزيع السبعينيات بعيد المصالحة الوطنية، وكان عراب هذه الشريحة جماعة الاسلام السياسي مرورا بمرحلة الديمقراطية الثالثة ثم عهد الانقاذ. وقد نشطت هذه الشريحة في مجالات عديدة من القطاع المصرفي، الخدمي، النقل والمواصلات، القطاع التجاري، الانشاءات ، شركات الاستثمار، الاستيراد والتصدير.

فعندما نستعرض شرائح التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية للسودان لا بد من استعراض ادوارها ومدى هيمنتها علي الاقتصاد، فطوال مسيرة الاقتصاد السوداني تنوعت الشرائح التي كانت مهيمنة علي الاقتصاد بمعيار علاقتها بالجهاز الحكومي ومعيار انفاق الحكومة علي القطاع الذي تعمل فيه هذه الشرائح ففي دولة الفونج والعهد التركي هيمنت الشريحة التجارية، بينما نجد ان العهد الاستعماري تناوبت الهيمنة فيه الشريحة الزراعية في بدايات الاستعمار الي ما بعد الحرب العالمية حيث اقتضت السياسة الاستعمارية سياسة الانفاق (بريتون وودز) اذ تولت الحكومة الاستعمارية امر النشاط الزراعي عبر قطاعها الحكومي وهنا جاء دور هيمنة الشريحة التجارية. في عهد الحكم الوطني الاول هيمنت الشريحة الزراعية بينما هيمن قطاع الدولة والشرائح الوسيطة في عهد الحكم العسكري الاول (ابراهيم عبود) ، وفي الفترة الديمقراطية الثانية هيمن قطاع الدولة والشريحة التجارية. وفي عهد نميري في فترته الاولي الي منتصف السبعينات هيمنت الشريحة التجارية والشريحة الصناعية وفي فترته الاخيرة هيمنت شرائح طفيلية منبثقة من شريحة الدولة والشريحة التجارية من الاسلاميين. هذه الشرائح الطفيلية استمرت في هيمنتها حتي في الديمقراطية الثالثة ثم في فترة الانقاذ وكان جل الحراك الاقتصادي طفيليا بعيدا عن النشاط الانتاجي، وانما انحصر في مجالات المضاربات والعملات والعقارات بل تطور نشاط الطفيلية الاسلامية ومن تحالف معها بالتمدد في فضاءات خارجية متمثلة في تهريب الاموال الي الخارج. فالنظام ومن ورائه الاسلاميون وجد مصوغا ايدولجيا لطفيليته التي انتهجها وهو ما يعرف بسياسة التمكين الذي جعل الفساد ديدنا للاقتصاد الانقاذي لدرجة اخراج موارد اقتصادية كالبترول من الدورة الاقتصادية بتوزيع عائداته على منسوبي النظام ولم تستخدم في تنمية البلاد وحتى ما تم انجازه من انشاءات الطرق، الجسور والسدود قامت على قروض اجنبية.

عليه يمكن القول بأن التشكيلات الاجتماعية التي وجدها الاستعمار تمثلت في تشكيلة التجار ، تجار الطرق الصوفية كالختمية،بعض الاغريق وبقايا من الاتراك ، الارمن، المصريين والسوريين.وكتشكيلة اجتماعية ثانية زعماء القبائل والطرق الصوفية ذوي الأثر الاجتماعي ثم التشكيلة الاجتماعية الثالثة التي تمثلت في بقايا الانصار والدولة المهدية. وقد كان النمط الاقتصادي السائد اقتصاد ما قبل رأسمالي معيشي بالكاد يلامس اطراف الاقتصاد النقدي اذ لم تتخلق حين ذاك شرائح رأسمالية ولم يكن هنالك قطاعا خاصا منتجا ومؤثرا.

بدأ الاستعمار خطته في نقل الأقتصاد الي مرحلة جديدة بطلائع الاقتصاد المعيشي الذي بدأ التعلق باهداب الاقتصاد النقدي في محاولة منه لرسلمة النمط الاقتصادي. فعلى الرغم من مركزية الاستعمار الادارية الا انه فتح كوة للاجانب، الختمية والانصار لتملك المشاريع الخاصة في مجال التجارة والزراعة وفي مرحلة لاحقة اتسعت دائرة المسموح لهم بالاحتياز علي المشاريع الخاصة كزعماء القبائل والعشائر والاعيان مع مضاعفة املاك من بدأ بهم في المرحلة الأولى كالسيد عبد الرحمن المهدي في الزراعة، السيد علي الميرغني وطائفته في التجارة والزراعة والشريف الهندي وبعضا من التجار السودانيين والاجانب الذين كانوا كوكلاء محليين عن الاستعمار. هؤلاء شكلوا شريحة تم خلقها خلقا وايجادها مما يشبه العدم، ولم تأت عبر مخاض وصراع اقتصادي تاريخي (الكمبرادورية) وقد مثلت طليعة للشرائح الأقتصادية والاجتماعية في السودان

وكما تقدم ذكره، فان الاستعمار لم يستطع استكمال ما بدأه، لم يستطع الاستعمار الاستمرار في تخليق واستيلاد طبقة رأسمالية في السودان لتستكمل حلقات رسملة الاقتصاد السوداني ببناء قطاع خاص واطلاق يده في مجالي الزراعة والتجارة، فقد جاءت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية بما لا تشتهي سفن الاستعمار. فقد تأسس نظام الصرف الاجنبي لمرحلة ما بعد الحرب ( بريتون وودز) والذي بموجبه انشئ صندوق النقد الدولي لتثبيت نظام العملات في نظام ثابت للصرف الاجنبي 1944وذلك بغية استقرار النظام المالي العالمي وتشجيع التجارة بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك بازالة العقبات بشأن الاقراض والتجارة الدولية والمدفوعات عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للانشاء والتعمير وقد قام صندوق النقد الدولي باعطاء مساعدات قصيرة الاجل للاعضاء الذين كان لديهم عجز في ميزان المدفوعات. ومنح قروضا طويلة الاجل للدول ذات النمو المتدني. وهذه السياسات عمدت الي استقرار سوق الفوركس بمحافظة الدول على قيمة عملتها في نطاق هامش ضيق مقابل الدولار وسعر مماثل من الذهب عند الحاجة. وهذا من اجل استقرار سوق الفوركس. صاحبت مرحلة ( بريتون وودز) صعود الكنزية وتبني الانفاق علي قطاع الدولة ليكون رائدا في الحراك الاقتصادي.

ونظرا لضعف الشرائح التي صنعها الاستعمار لتمثل التشكيلة الاجتماعية الرأسمالية اضافة للتوجهات الاقتصادية العالمية الجديدة كان الحث على الانفاق الحكومي ونقل التقانة والانفاق الاستثماري للتحديث التنموي ولتمديد وتجديد النظام الرأسمالي واعادة انتاجه.

ربما قصد الاقتصاديون الكنزيون التحديث التنموي حقيقة بينما سعى السياسيون متبعين املاءات مؤسسات التمويل الدولي لاعادة انتاج النظام الرأسمالي علي وتيرة اخرى تخوفا من الصراعات الطبقية التي يمكن تفاديها ببعض الانفاق هروبا من صراع وثورات محتملة ومكافحة للمد الشيوعي وفتحا وتأسيسا لاسواق لمنتجات الدول الصناعية. فكانت رؤية السياسيين أمنية أكثر منها تنموية، فسياسة الانفاق تمدد من القطاع العام في العمل الانتاجي حتي يكتمل بناء النظام الرأسمالي هيكلا يبسط نفوذه علي العالم مركزا واطرافا عبر الدول المستعمرة لتعقبه مرحلة القضاء علي رأسمالية الدولة لصالح القطاع الخاص والتشيكلات الاجتماعية المكونة له.

الاستعمار بمحاولته رسم البنية الاجتماعية الاقتصادية قد اعاق التطور الطبيعي لبناء التشكيلات الاجتماعية والتي يجب ان تأتي كنتاج طبيعي لحراك اقتصادي واجتماعي طويل. فان محاولة الاستعمار تبني النموذج الرأسمالي خلقت شريحة ممن ليسوا اصلا في الانتاج واغدق عليهم ليكونوا شريحة كمبرادورية مرتبطة به من غير ان يقدر ايا من كان أن يدعي ان هنالك تخلق طبقي او ان هنالك طبقة مسيطرة على الاقتصاد قبيل الاستقلال. ولو اردنا توصيف التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية لما استطعنا غير المعايرة النسبية بين مجموعات من الشرائح الاجتماعية تفوقت احداها بمقدار ما سمح لها الاستعمار وامتيازاته بذلك وهي شريحة تكونت من مجموعات مختلفة كبعض زعماء العشائر الذين ميزتهم الادارة الاستعمارية بنظام الادارة الأهلية ومجموعة التجار الذين كانت تعيش في جلباب الحكم الاستعماري ومجموعات الارستقراطية الدينية كبعض رجال الطرق الصوفية ومجموعة من الطوائف ( الانصار، الختمية، الهندية) والذين استطاعوا ان يراكموا من الاموال ما مكنهم من اعادة استثمارها.

وكانت شريحة الافندية من مهنيين ، شبه مهنيين، فنيين واداريين وهؤلاء شكلوا شريحة استخدمها الاستعمار في مهام ادارة وتشغيل مشروع الاقتصاد الرأسمالي الذي أتى به. ولعلنا ان امعنا النظر في تاريخنا الحديث لوجدنا ان هؤلاء من ورثوا نظام الحكم بعيد الاستقلال في كل اجهزته التنفيذية والتشريعية والادارية. لذا لم يخرجوا من جلباب الاستعمار الذي فصله لهم فحافظوا على ذات البنى الاقتصادية التي اسسها الاستعمار واستمروا فيما بدأه.

رغم تنافر هذه الشرائح فيما بينها الا انها شكلت تحالفا لقوى اقتصادية تحت ادارة الاستعمار. الا انها تمايزت بعد رحيله حيث تم الفرز الي شرائح تباينت اجتماعيا الي شريحة عليا تمثلت في قيادات الطائفية، وشريحة وسطى تمثلت في الافندية وشريحة ثالثة تمثلت في في فقراء الريف والمدن والمنتجين التقليديين من زراع ورعة.

ولعل هذه البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسات والمجرى الذي اختطه الاستعمار لاقتصادنا والسير فيه بوعي او بغيره ممن خلفوه كان له اعظم الاثر في مسيرة اقتصادنا في العهود الوطنية.

ونحن اذ نقوم بهذا الاستعراض لا يفوتنا ان الاستعمار كان مبشرا بالخطاب الليبرالي الراسمالي فاراد للنظام الراسمالي ان يسود علي غيره من التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية القبل راسمالية، فأسس لبناء شرائح اجتماعية مصنوعة شريحة تمسك بمفاتيح الاقتصاد واخرى اهلت لادارته حتى يضمن استمرارية مشروعه الذي بدأه وامكانية اعادة انتاجه وهذه الحقيقة لا غرابة فيها فهي دأب الاستعمار في تلك الحقبة التاريخية. فلم تكن الدولة السودانية ما بعد الاستقلال بدعا من الدول الاخرى فقد ارتبطت بشكل مباشر بالشريحة العليا التي خلقها وخلفها الاستعماربل ان عناصر من هذه الشريحة حكمت او انها كانت تؤثر على الحكم . فالحكم لم يخرج من اسار الطائفتين أو من يأتمرون بأمر زعيميهما، الا انه من الصعب تحليل او وصم الواقع الاقتصادي الذي خلفه الاستعمار بتنميط محدد يجزم بمعناه مفهوما واصطلاحا. اذ يصعب ان نقول ان ما خلفه الاستعمار هو اقتصاد راسمالي أو قبل رأسمالي.

فوصمه بالرأسمالية يتطلب ان تكون الدولة رأسمالية في معنى ما تنتهجه من سياسة اقتصادية وبعدها عن التدخل في شئون الاقتصاد واعلاءها من شأن القطاع الخاص. كما يتطلب من ناحية أخرى ان تكون علاقات الانتاج راسمالية الهوى والهوية في معنى ما يخصص ويوزع من عمل بشري علي انجاز المهام المختلفة في المجتمع ، اي تقسيم العمل وتوزيع وسائل وقوى الانتاج المختلفة من ارض، ماكينات، عقارات، مصانع بين تشكيلات المجتمع المختلفة. كما يتطلب من ناحية ثالثة تشكيلة اجتماعية (طبقة) بمعنى ما يوجد من شريحة ذات ثقافة ومصلحة ومكانة واحدة. فان اتسقت هذه الثلاثية في نمط انتاجي أو اقتصادي محدد فهي لا شك قمينة بأن تأخذ ديباجة ذلك النمط وقد اسرف متنطعون في وصف تلك الحقبة اي حقبة ما بعد الاستقلال بالراسمالية وحملوها اوزار ما يعانيه السودان من خيبة اقتصادية. ولنكن علي بينة من الأمر فلنناقش المثلث الذي اشرنا اليه عاليه. لم تكن الدولة السودانية بأية حال من الاحوال رأسمالية التوجه فقد كان القطاع العام مهيمنا وله كعب يعلو على القطاع الخاص رغم ما قدمته الدولة من مساعدات وتسهيلات لهذا القطاع الذي تكون من الشريحة التي خلفها الاستعمار وأصبحت من طاقم الحكم بعد الاستقلال كما بدا في المشاريع التجارية التي منحت لمنسوبي الطائفة الختمية قد فاقت عدد المشروعات الزراعية كما يتضح ذلك في ملفات المسجل التجاري. رغم ذلك نقول ان الدولة هي التي كانت تهيمن علي الاقتصاد بقبضة مركزية وفق افق ربما تأثر بمرحلة التحرر الوطني والسعي لقيام مشروع وطني ووحدة تراب وصالح عام، تقصد استقرار الدولة والنأي بها من تناقضات التطور اللا متكافئ بالنسبة للمجتمع، اما علاقات الانتاج فلم تكن رأسمالية من حيث توزيع وسائل وقوى الانتاج من ملكية وتقسيم عمل فالدولة الوطنية لم تضف جديدا لما كان عليه الحال في فترة الاستعمار. الا ان المفارقة تكمن عند مناقشة الضلع الثالث للمثلث وهو الفئة الاجتماعية التي تؤدي مهام النمط الرأسمالي. فهذه الشريحة التي لم تبلغ مبلغ الطبقة عجزت عن القيام بدور الطبقات الرأسمالية في البلدان المتقدمة في قيادة النهضة الزراعية والصناعية رغم نشوء الشريحة المرشحة لتكوين الطبقة الرأسمالية منذ مرحلة التراكم البدائي للرأسمال التجاري في دولة الفونج. فلقد لازم هذه الشريحة فشل تاريخي يبين في عجزها عن التفوق في الصراع مع شبه الاقطاع السلطاني في دولة الفونج لتنفرد او تؤثر علي قيادة الدولة فضلا عن ان الصراع لم يكمل دورته بدخول الاتراك السودان والذين لم يكن توجههم تنموي وانما توجه لسلب مقدرات البلاد الزراعية ، التعدينية والبشرية لاحداث نهضة في مصر! لذا كانت هذه الشريحة بعيدة عن دائرة الفعل الاقتصادي والتحاور الاجتماعي – ان لم نسمية الصراع الاجتماعي- بين التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية والذي كان مقدرا لحدوثه ان يخلق حراكا اقتصاديا مؤثرا. هذا حالها في فترة الفونج والاتراك من بعدهم وهو ذات الحال الذي لم يختلف في المهدية التي كان اقتصادها اقتصاد حرب، بل حتى في فترة الاستعمار الذي حاول انشاء هذه الشريحة وتطويرها الا ان محاولاته هذه حدتها التوجهات العالمية حينها لدعم الاقتصاد العالمي ما بعد الحرب بزيادة الانفاق الحكومي على تنمية دول الهامش – خارج نطاق الدول الكبرى

عليه يمكننا ان نزعم انه وطوال مسيرة الاقتصاد السوداني تنوعت الشرائح التي كانت مؤثرة- ولا نقول مهيمنة- علي الاقتصاد بحكم علاقتها بالجهاز الحكومي وبحكم انفاق الحكومة على القطاع الذي تنشط فيه ففي عهد الفونج والاتراك وفي عهد المستعمر تعاور التأثير علي الاقتصاد الشريحة التجارية ، الزراعية ثم التجارية وقد برزت الشريحة التجارية في عهد الاستعمار بحكم توجه انفاق الدولة علي الخدمات العامة التي يسرت المنشط التجاري، وفي العهد الوطني الاول كان التأثير للشريحة الزراعية بحكم استثمار الدولة في القطاع الزراعي الذي تنشط فيه هذه الشريحة، وفي فترة العسكر الاولى كان التأثير لشريحة الدولة والشرائح الوسيطة، وفي الديمقراطية الثانية كان التأثير للشريحة التجارية وشريحة الدولة وفي فترة نميري الاولى الي منتصف السبعينات كان التأثير للشريحة الصناعية والتجارية(فترة الخطة الخمسية) وبعد منتصف السبعينات الي منتصف الثمانينات كانت الهيمنه للشريحة التجارية والعناصر الطفيلية منها ثم آل الامر فيما بعد بشكل غالب للشريحة المالية الطفيلية التي مثلها الاسلاميون منذ العهد الديمقراطي الثالث وصلا بعهد الانقاذ.

مما تقدم يمكننا ان نخلص اننا لا زلنا في مرحلة اقتصاد ما قبل رأسمالي يغلب عليه الريع والاكتفائية، وان التشكيلات الاجتماعية السائدة لم يتكامل نموءها وتخلقها لتبلغ مبلغ الطبقات وانما ظلت عبارة عن شرائح اجتماعية تعجز عن القيام بمهام طبقية مؤثرة علي الاقتصاد والهيكل الاقتصادي بشكل عام .كما اننا لا نستطيع ان نرد عجزنا او تخلفنا الاقتصادي لاي نوع من الصراع الاجتماعي او الطبقي. فالقطاع الزراعي غالبه تقليدي ينتفي فيه وجود الطبقة الفلاحية المنظمة فالمزارع – البلدات- مزارع صغيرة ذات نشاط اكتفائي تعود ملكيتها للفلاح ومن ثم غابت طبقة الملاك التي تقابلها طبقة الفلاحين.والحديث من القطاع الزراعي لا يشكل نسبة كبيرة لتخلق طبقة زراعية منظمة ذات دور واضح في الحركة الاقتصادية.اما الشريحة العمالية التقليدية محدودة العدد والاثر لضعف القطاع الصناعي،رغم وجود هذه الشريحة تا ريخيا في مؤسسات القطاع العام كعمال مناشير الغابات ، السكة حديد ، النقل الميكانيكي فقد تركز وجود هذه الشرائح في مدن محدودة، ولعل طبيعة نشأة هذه الشريحة لا تساعد على منحها ديباجة الطبقة فهذه الشريحة ظهرت للوجود في بدايات القرن العشرين في القطاعات الزراعية والصناعية والخدمية وهي في غالبها متمركزة في المدن ومتفاوتة في تركيبتها العضوية،المهنية، التعليمية وجذور افرادها الاجتماعية ومستويات دخولها.لذلك لم يكتب لها ان تؤلف ما بين انتماء طبقي ووعي بهذا الانتماء لتكون طبقة اجتماعية ذات اثر. ولو اننا عايرنا هذه الشريحة بناء على المنزلة التي تحتلها في الانتاج من حيث تحديدها لنظام الاقتصاد ودورها المهماتي والتوزيعي لا نجد لها اثرا يذكر، وذلك لانحسار النشاط الصناعي فضلا عن تمركز غالب هذه الشريحة في النشاط الخدمي الحكومي مما لا يجعلها متموضعة بوضوح في علاقتها بوسائل الانتاج ، الشئ الذي لا يجعل لها موضعا في انماط خلق وتملك فائض الانتاج وبالتالي يتأثر دورها في تنظيم العمل ومن ثم يكون وضعها في التشكيل الاجتماعي كفئة او شريحة لم تبلغ مبلغ الطبقة. ويعضد ذلك ان افراد هذه الشريحة جاءوا من جذور اجتماعية تناقض الشريحة التي وجدوا انفسهم فيها، غير انهم آن ذلك التاريخ وفقا للتراتبية الاجتماعية لم يكونوا متموضعين في اسفل السلم الاجتماعي، فنظرا لان التعليم الفني والمهنى قد بدأ باكرا منذ بدايات القرن الثامن عشر في مديرية كسلا مدرسة جبيت ولحقت بها ثلاث مدارس أخرى ، ثم انشئت كلية غردون في مطالع القرن العشرين حيث بدأت بالتدريب في حرف النجارة، الحدادة، البرادة، النحت والبناء ليتطور هذا البرنامج التدريبي لمدرسة صناعية داخل الكلية الي ان تحولت الي مدرسة امدرمان الفنية.اضف الي ذلك ان المستعمر جلب اجانب ذوي تأهيل وتدريب من البريطانيين، اليونانيين، البلغار، الاتراك، الروس والسوريين غير الاعداد الكبيرة من العسكريين الذين تم تسريحهم من الخدمة بعد انقضاء الحرب العالمية اذ كان هؤلاء الجنود ممن حازوا علي تعليم وتأهيل فني عال في قيادة ومكننة السيارات، الحدادة والتلغراف. هذه الخلفية تجعل من غالب القطاع العمالي ذو طابع مهني يعتمد على تأهيل مقدر يبعدهم عن الاتصاف بصفة العامل التقليدي الذي يعتمد العمل اليدوي والقوة البدنية لكل هذه الاسباب لم تتبلور هذه الشريحة كطبقة ذات وعي بوضعها الاجتماعي وانما تبلورت كفئة مهنية ذات وعي وطني دفع بها باكرا للتنظيم وولوج ساحة الصراع السياسي من خلال النشاط النقابي ويعود عدم تكامل بناء هذه الطبقة الي طبيعة ما قبل الراسمال التي تعيق تكامل هكذا طبقة. وقد بلغت هذه الشريحة قمة انحسارها في العهد الانقاذي لتدهور القطاع الصناعي وتصفيته وخصخصة المؤسسات والهيئات الخدمية الحكومية التي تمركزت فيها هذه الشريحة بشكل رئيس كهيئة السكة حديد.

اما الشريحة الوسطى والتي دائما ما تتسم بقدر من عدم الثبات الفئوي فهي في حالة حراك دائم اسفل واعلى السلم الاجتماعي حسب الاوضاع الاقتصادية مما يصعب من تصنيفها كشريحة مستقلة بذاتها رغم ارتباطها بالدولة وجهازها الا انه وبالرغم من هذه السمة تظل اكثر الشرائح انتظاما وتاثيرا وهي ذات تاريخ ضارب اتاح لها فرصة التخلق والنشوء كشريحة بدرجة توشك ان تتكامل فيها اشراط الطبقة رغم ما لحقها من التضعضع في العهد الانقاذي. فهذه الشريحة نشأت تاريخيا في عهد سلطنة الفونج اذ تخلقت من قادة الجيش والعسس ، الموظفين، الكتبة ، المقاديم ، الفقهاء والقضاة وتوسعت امتدادات هذه الشريحة واثرها في العهد التركي حيث توسعت الحركة التجارية لتنشأ تبعا لهذا التوسع التجاري مراكز حضرية ادت الي توسع الجهاز الاداري والخدمي للدولة وانتشرت ثقافة العمل بأجر فاوجد هذا الواقع شريحة مقدرة من الموظفين كما ان المجتمع الحضري يغلب عليه النشاط الاقتصادي الوسيط من صغار التجار ووكلاء التجار والزراع والحرفيين.ولم تتأثر هذه الشريحة سلبا في العهد المهدوي وبلغت شاوا عظيما في العهد الاستعماري حيث عمد الاستعمار الي تحديث الدولة، فالاستعمار حين جاء الي السودان وجد مجتمعا ما قبل راسمالي تقوى فيه شريحة كمبرادورية تخلقت منذ الاستعمار التركي، لذا سعى للتحديث والتجديد فاهتم بخلق البنى التحتية من سكة حديد ، موانئ، مستشفيات ، مطارات ومدارس مهتما بالتعليم لخلق كوادر تدير الدولة واقتصادها. مما استلزم نظاما اداريا وخدمة مدنية تشرف علي القطاعات الخدمية من تعليم وصحة ومواصلات واجهزة عسكرية وجهاز اداري شمل الادارة الاهلية وموظفي الادارة العامة فتنامت الشريحة الوسطى وانتشرت افقيا وفقا لسياسة المستعمر التي تعتمد القبضة المحكمة على الموارد وفق متابعة ادارية صارمة وتبعا للجهاز الاداري كان الانتشار الافقي لافراد هذه الشريحة في مواقع الانتاج الجديدة، والمراكز الحضرية المنشأة حديثا،بل امتدت للريف عبر الوكلاء ورجال الادارة الاهلية

اما الشريحة الاجتماعية العليا فكما اشرنا سابقا فان الاستعمار حين جاء الي السودان وجد مجتمعا ما قبل راسمالي تقوى فيه شريحة كمبرادورية تخلقت منذ الاستعمار التركي، فسعى لتطويرها الي شريحة راسمالية بسماحه لبعض الاجانب ثم من بعدهم محليين بالتملك الخاص في القطاع الزراعي والتجاري تحت اشرافه وقد سمح بتمدد اكبر للشريحة الكمبرادورية ( زعماء العشائر والوجهاء) للتمدد زراعيا في مناطق الانتاج الزراعي المطري التقليدي من باب خلق وكلاء للراسمالية ولتطوير تشكيلة ما قبل الرأسمالية الا انه وكما اشرنا سابقا فان هذه المجهودات قد اعيقت بما طرأ علي اقتصاديات العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية فيما عرف بزيادة انفاق الدولة فعادت الدولة للهيمنة والادارة المركزية مرة أخرى.

وحديثنا يتواصل الي اكبر شريحة اجتماعية في السودان فلنسمها شريحة الفقر وهي شريحة ضاربة في القدم. فقد وضح تشكلها بصورة واضحة بفترة المستعمر حينما عمد الي ادخال علاقات الانتاج الراسمالية ليكون العمل المأجور خصما علي صغار الملاك والمنتجين التقليدييين وربما بدأ هذا التشكل في صدر الفترة الاستعمارية منذ بداية المشروعات التجريبية كدلتا طوكر، دلتا القاش، الزيداب ، ود النو ومشروع طيبة ثم من بعدها مشروع الجزيرة ومشاريع النيل الابيض.

ومشروع الجزيرة كما اشرنا في طيات مبحثنا هذا هو اساس التهميش الاقتصادي لأقاليم السودان المختلفة فأصبح منطقة انتاج حديث اعتمد علي فن انتاجي حديث كنظم الري الحديثة، الدورات الزراعية، المحاصيل حديثة والآلات والاسمدة ويستهدف انتاجا للتبادل التجاري ملتحقا بالاقتصاد النقدي والعالمي وما عداه من مناطق انتاج اصبح هامشا اقتصاديا يوصف بالتقليدية لاستخدامه لفنون انتاج بدائية لأجل انتاج استهلاكي لا يرتبط بالاقتصاد النقدي بشكل كامل. هذه المناطق التي اعتبرها المستعمر كمناطق لا يرجى منها فائدة وبالتالي نالها الاهمال والتهميش رغم انها تمثل قطاع الانتاج التقليدي. والادهى وأمر ان المستعمر قد اعتبر هذه المناطق مستودعا للعمالة الرخيصة، فقد ظل المستعمر يجلب العمالة الموسمية الرخيصة من هذه المناطق وخاصة من غرب السودان لا سيما حينما تزايدت حاجة السوق العالمي للاقطان الشئ الذي أدى الي التوسع بزراعة القطن بأنشاء مشاريع اضافية في النيل الابيض والنيل الازرق فكانت الحاجة الي جلب اعداد كبيرة من العمالة الرخيصة لدرجة الاستعانة بالعمالة من نيجيريا وذلك للزراعة واعمالها ولجني القطن. وقد تم استغلال حقيقة عدم تعارض موسم جني القطن وموسم الحصاد في غرب السودان.هذا الوضع خلق قطاعا عريضا من الفقراء كشريحة ممتدة مركزا وهامشا رغم تمايزها في ثلاث فئات تبعا لعلاقات الانتاج ففقراء مشروع الجزيرة بما احتازوا من ارض بالاجارة افضل حالا من الذين يعملون بأجر وهؤلاء افضل حالا من الذين يعملون موسميا بأجر وهؤلاء افضل من فقراء الهامش الرعاة وزراع البلدات. وقد تميزت الفئات التي تقع في اطار مشروع الجزيرة والذين يعملون باجر انهم بلا حول ولا قوة اقتصادية لكنهم احتازوا علي وعي فئوي جعل لهم قدرة التجمع والتنظيم بحكم انهم في قطاع زراعة منظم لذا انتظمت قطاعات منهم في مؤسسات المجتمع المدني باكرا منذ اربعينات القرن الماضي من خلال تكويناتهم النقابية وقد شاركوا من خلالها في احداث مطلبية وسياسية هذا قبل تضعضع العمل النقابي وتكسيحه في الانقاذ بنقابات المنشأة التي تجتمع فيها نقائض التشكيلات الاجتماعية فلا تعبر عن فئة او شريحة اجتماعية بعينها.ورغم وجود الفئة التي اشرنا اليها الا ان غالب الشريحة الاجتماعية يفتقر الي الوعي والقدرة علي التنظيم خاصة في القطاع التقليدي مما جعلهم عرضة للظلم والتهميش المستدام.

يجئ تركيزنا علي اصباغ شئ من الفسيولوجيا والانوطمي - لو جاز التعبير- علي الشرائح والتشكيلات الاجتماعية لانها تعكس حقيقة الواقع الاقتصادي وخلل هيكله ، كم انها تعطي مؤشرات مفيدة لما يمكن ان يقترح من حلول.فالمشكلة الاقتصادية او لنكون اكثر دقة التخلف الاقتصادي ،لا يمكن علاجه بفهلوة الحكومات التي تدير اقتصاد ازمات كل تفكيرها وخططها تنتهي لعلاج المشكلات الآنية التي تطفو علي السطح حفاظا علي الاستمرارية في الحكم ولو كانت تلك المعالجات ذات اثر ضار مستقبلا او فيها اضرار بالمواطن. ولن يكون الحل في نبر الايديولوجيين أو الاكاديمين او ناقلي تجارب الغير فالحل يجئ بدراسة واقعنا وابتداع ما يناسبنا من حلول ورؤى.

فلقد كان اعتماد اقتصادنا في معظم المراحل التاريخية منذ عهد السلطنات مرورا بالتركية والمهدية والاستعمار انتهاء بالعهود الوطنية المتعاقبة على المصادر الطبيعية وحدها دون اعمال اية آليات انتاج معقدة مادية كانت او فكرية الشئ الذي جعل منه اقتصادا ريعيا فيما بدا من اعتماده علي القطن كغلة واحدة رئيسية وبالكاد علي المحاصيل التي ينتج غالبها طبيعيا وفي اطار يشبه اقتصاد الكفاف اذ ان القطاع التقليدي المنتج لها يخلو باله من مفهوم الثروة او نقل الانتاجية الي فترات زمنية تطول وانما يتقصد المعيشة والاستهلاك.

ولعل اقتصاد الريع بتجلياته ونتائجه المعروفة شكل خطرا علي الدولة التي كانت تعتمد في جزء كبير من ايراداتها علي موارد محدودة اذ جعلها عرضة للمتغيرات الخارجية وعوامل الطلب في الاسواق العالمية. فضلا عن ذلك فهو يخلق نشوءا شريحيا يحتاز علي امتيازات ومكاسب لا لشئ الا لقرب افراد هذه الشريحة من الجهاز الحاكم ووساطتها ما بين المنتج والحاكم ،وهي طبقة في الغالب الاعم تتكسب من التوكيلات والامتيازات الممنوحة لها من قبل الحاكم او بالوضعية الاجتماعية دون علاقة لها بالعمل وهذا بالطبع ناتج منطقي للخلل المصاحب لاقتصاديات الريع في عدالة توزيع الثروات مما يمهد الطريق للوصولية، الانتهازية والطفيلية مما يخل بالتوازن الاجتماعي وهذا يمثل حالة من التسيد والتملك خارج الشروط الموضوعية للبناء الاقتصادي ، ويؤدي في الغالب الي نشوء شرائح اجتماعية طفيلية تعتمد علي الانتهازية واستغلال النفوذ للاثراء فينتكب المجتمع بسبب تنامي دخول هذه الشرائح وسيطرتها علي الثروة وتوزيعها وتغلغلها في دوائر السلطة.

فهذه الشرائح لم تأت في اطار تطور اجتماعي واقتصادي ، وانما خلقها قربها من السلطة سواء في زمن الاستعمار او العهود الوطنية المتعاقبة أو وضعها القبلي او الديني، وهي تشكل حالة تمظهر لمشهد ما قبل الاقتصاد البرجوازي الذي غابت طبقته التي تمتلك المعرفة ورؤوس الأموال.

فالاقتصاد الريعي اقتصاد هش يتأثر بأقل المتغيرات، غير انه يمهد للطفيلية والخلل الاجتماعي بين فئات المجتمع ويجعل من التخلف واقعا معاشا ومستمرا تتغذى منه فئة تحرص علي استمراره.ولعل الواقع الريعي يفسر جنوح كل الإقتصاد وشرائحه المنتجة (الزراعية، التجارية، الصناعية) في معظم عهود الحكم الوطني نحو الطفيلية؛ بسبب تدهور البنيات الإساسية، والعجز عن صياغة إقتصاد معافى، وإيقاف الإنفاق الإستثمارى لمقابلة سداد الدين الخارجى. وثمة سبب آخر تمثل في خلل التوزيع اذ يتحرك التوزيع وفق منوال التركز والتهميش ، فنشا مركز يحتاز علي قدر كبير من الثروة، العائدات والمشروعات التنموية مقابل هامش لا يناله حظ يذكر من الثروة والعائدات الاقتصادية ومشروعات التنمية والخدمات وقد عمق من ازمة المركز والهامش ان الهامش السوداني اجتمعت فيه كل انواع التهميش جغرافي، اقتصادي وثقافي ويعود هذا الواقع المعطوب لاحتياز ثقافة بعينها لامتيازات دونا عن الثقافات الاخرى التي شاء قدرها ان تكون علي الاطراف والمناطق النائية عن المركز لتكون هامشا جغرافيا ايضا. ولعل هذا التركز المركزي بدأه الاستعمار الذي جاء لخدمة مكاسبه الاقتصادية غير معني بالتنمية وعدالة التوزيع، الا ان الحكومات الوطنية فيما بعد الاستعمار بوعي او بغيره سارت علي خطاه الاقتصادية فركزت التنمية في الوسط النيلي تركيزا صاحبه هيمنة اقتصادية لعناصر الوسط النيلي الاسلاموعروبية في مقابل تهميش المناطق الاخرى التي تنتمي لثقافات أخرى غير الثقافة المركزية وهذا التمركز الاقتصادي ادى الي تمركز سلطوى فصار التهميش شاملا جغرافيا، ثقافيا، اقتصاديا وسياسيا قاد بدوره الي نزاعات راعفة عرضت المشروع الوطني لخطر ماحق وقد كان لهذه النزاعات اثرا سالبا علي الاقتصاد بتدميرها للبيئة وعناصر الانتاج في القطاع التقليدي الذي يشكل حوالي 70% من الانتاج والذي يقع غالبه في مناطق التهميش، فضلا عن الاضرار بانسان تلك المناطق.

ازاء هذا الواقع فأن الدعوة لأنتهاج منهج راسمالي يعتمد علي القطاع الخاص لاحداث نهضة اقتصادية تظل رايا افينا، نظرا لان الشريحة التي يمكن ان تضطلع بهذه المهمة معطوبة فهى كما اشرنا عاليه لم تبلغ مبلغ الطبقة فقدعجزت عن القيام بدور الطبقات الرأسمالية في البلدان المتقدمة في قيادة النهضة الزراعية والصناعية رغم نشوئها منذ مرحلة التراكم البدائي للرأسمال التجاري في دولة الفونج. فلقد لازم هذه الشريحة فشل تاريخي يبين في عجزها عن التفوق في الصراع مع شبه الاقطاع السلطاني في دولة الفونج لتنفرد او تؤثر علي قيادة الدولة فضلا عن ان الصراع لم يكمل دورته بدخول الاتراك السودان والذين لم يكن توجههم تنموي وانما توجه لسلب مقدرات البلاد الزراعية ، التعدينية والبشرية لاحداث نهضة في مصر! لذا كانت هذه الشريحة بعيدة عن دائرة الفعل الاقتصادي والتحاور الاجتماعي – ان لم نسمية الصراع الاجتماعي- بين التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية والذي كان مقدرا لحدوثه ان يخلق حراكا اقتصاديا مؤثرا. هذا حالها في فترة الفونج والاتراك من بعدهم وهو ذات الحال الذي لم يختلف في المهدية التي كان اقتصادها اقتصاد حرب، بل حتى في فترة الاستعمار الذي حاول انشاء هذه الشريحة وتطويرها الا ان محاولاته هذه حدتها التوجهات العالمية حينها لدعم الاقتصاد العالمي ما بعد الحرب بزيادة الانفاق الحكومي على التنمية فهي في نهاية المطاف ليست طبقة وليست مؤهلة للقيام بمهمة شريحة رأس المال وهي وليدة اقتصاد طفيلي وربيبة الاجهزة الحكومية فضلا عن انها لن تخاطر في تنمية القطاع التقليدي الذي تغلب عليه الريعية.

وما يقال عن الراسمالية يقال عن الاشتراكية فلا البنية الاجتماعية او التشكل الاقتصادي/ الاجتماعي ولا النشاط الاقتصادي القائم يمهدان لقيام نظام اشتراكي. هذا اذا تجاوزنا الخلط القائم عند كثير من السياسيين ما بين النظام الاشتراكي وسيطرة القطاع العام او قطاع الدولة. اذ لا يجب الخلط بين القطاع العام  والاشتراكية، فالاشتراكية نظام اجتماعي اقتصادي متكامل له أساسه الاقتصادي وبنيانه الفوقي الخاص به. أما القطاع العام فهو ظاهرة اجتماعية اقتصادية، نشأت بنشأة الدولة وستظل مرتبطة بها والدولة بطبيعة الحال ظاهرة اجتماعية معقدة. نشأت كناتج لتمايزات وصراعات اجتماعية وصمتها علي الدوام بالتناقض ككيان بوجهين وجه المؤسسة ذات الوظيفة العامة ووجه الطبقة التي تطال وسائل الانتاج. وهي قد تختلف في درجة طبقيتها وتملكها لوسائل الانتاج من نموذج لآخر الا انها في نهاية الامر طبقة مهيمنة غالبا ما تجيرالامتيازات الاقتصادية لصالح الشريحة المكونة لها علي حساب الوظيفة والمصلحة المجتمعية العامة.

وان لم نخلط بين الاشتراكية والقطاع العام فعلينا بالضرورة عدم الخلط بين القطاع العام والقطاع الحكومي. فالقطاع الحكومي - الخاص في العام -يشير الي شكل بلا مضمون مصلحي محدد فملكية الحكومة لا تحدد هل المصلحة تعود الي الحكومة كاشخاص، طبقة، فئة ام للمجتمع عامة، فالحكومة في تموضعها القانوني هيئة عامة ولكنها واقعا هيئة اجتماعية اقتصادية خاصة، بما تمثله من اشخاص ومصالحهم اسرية كانت او حزبية. اما القطاع العام - العام في الخاص - فيقف كشخصية اعتبارية تمثل الدولة وهو مفهوميا يرتبط بالوظيفة العامة التي تؤديها الدولة لخدمة المجتمع وقد يحدث الانحراف حينما تسخر السلطة هذا القطاع لمصالحها الخاصة كجهاز مما يتناقض مع الوظيفة العامة لها تجاه المجتمع.فهنا يتموضع القطاع الخاص قانونا كقطاع خاص بينما يكون عاما في اصله ومصدر حياته ونمائه، اي في مضمونه الاجتماعي والاقتصادي.

وهنا لا بد من التفريق بين – القطاع الخاص- من اصحاب الجهد والإنتاج وحسن الإدارة، والبيروقراطية الفاسدة التي تتكسب بالوسائل الملتوية وتفصيل القرارات والامتيازات والاستثناءات والإعفاءات ليحققوا ثروات خيالية بسهولة على حساب الاقتصاد الوطني وحقوق المواطن، ونهب القطاع العام.

ولعله من السلامة والعلمية ان يكون القطاع العام قطاعا عاما حقا وحقيقة فيما يقوم به من وظائف الدولة مع اتساعها لتشمل المهام الاقتصادية في حدود العام والاستراتيجي فقط.فالقطاع العام حينما يكون عاما بحق اي بدون اضفاء ما هو ليس اصلا فيه فهو لا يكون مماثلا للاشتراكية لمجرد اتساع ملكيته متجاهلين بذلك السمات الأخري التي تميز الاشتراكية وتصاحبها.وعمومية هذا القطاع تقاس بمدى ما حققته ملكيته لصالح الشعب بعيدا عن مصالح انتهازية السلطة والبروقراطية الفاسدة، فيصبح نقمة علي الاقتصاد بالترهل وذهاب القيمة المضافة وفوائد الانتاج الي جيوب المستخدمين والفاسدين.

فالدفع بالقطاع العام للعب دور اقتصادي لا يعني تمسكا او تماهيا مع النظام الاشتراكي ولا يعني ان مناصري هذا الاتجاه من الاشتراكيين فالقصد من دفع القطاع العام في اتون الحراك الاقتصادي ياتي ركونا لعموميته واستدعاء للطابع العمومي الكامن في الدولة أي دولة، ابتغاء لطغوان هذا الطابع العمومي على وظائفها لدرجة غياب خدمة المصالح الشخصية، الحزبية والفئوية الخاصة على حساب المجتمع. وهذا لا ينسينا ما في هذا التوجه من مخاطر ان ينقلب القطاع العام الي مؤسسة خاصة، في الجوهر، وعندها تكون عملية خصخصة الدولة وقطاعها العام قد أنجزت من وراء حجاب.

إن الأنصار الحقيقيين للقطاع العام، هم فقط أولئك الذين يدافعون عن المصلحة العامة التي يحققها القطاع العام للمجتمع والدولة اولا، وللعاملين فيه ثانيا. بدرجة لا تكون فيها خدمة المجتمع والدولة خصما على العاملين في القطاع العام. وصمام الامان لأن يبقى القطاع العام عاما هو تغيير طبيعة العاملين فيه من قوة عاملة الي اشخاص يتمتعون بالكينونة الحرة بعيدا عن تغول واستغلال السلطة وذلك بدمقرطة الادارة مؤسسيا ودمقرطة الدولة والمجتمع فتتعدد الدوائر التي يكونون مسئولين امامها.وهذا يعتمد علي مدى ديمقراطية السلطة التنفيذية وشفافيتها ،قراراتها ،توجيهاتها ، سياستها التحفيزية وقوانينها المحاسبية.

والقطاع العام في حال السودان بالخلفية الريعية والثقافة الاقتصادية الطفيلية وعدم عمق الممارسة الديمقراطية لا يكون من الحكمة اتساع اسهامه في العملية الاقتصادية خلا المشروعات الاستراتيجية.

اما دعاوي المعجبين بنماذج الدول الاخرى ومحاولة نقلها كحلول لاقتصاد السودان فهي لا تقل أفنا مما سبق من دعاوى لانها تتغاضي عن ان هذه تجارب آخرين في اطار ثقافي وتاريخي واجتماعي غير ما هو عليه الحال في السودان، وهي تتغابي عن حقائق علمية ومعوقات اجتماعية وتنظيمية تحول دون انفاذ هكذا تجارب فقد علت في اوساط النخب السياسية اصوات داعية لاقتصاديات محدثة وقد جاءت هذه الاصوات ودعاويها مشوبة بالخلط والتخليط والتشويش المفاهيمي. يعلو الصوت عند البعض مناديا بالديمقراطية الاشتراكية او الاشتراكية الديمقراطية وحينا اقتصاد السوق الاجتماعي وكانها شئ واحد، ففي هذا يكون عدم المعرفة العميقة لهذه المفهومات وفي ذلك طعن في مسئولية دعاتها اذ ان الواجب ان يتقدموا الي العمل العام بعلم ومعرفة او يكون الطعن في اخلاقهم اذ يتعمدون تغبيش الوعي وبيع بضاعة مزجاة فالديمقراطية الاشتراكية، والاشتراكية الديمقراطية هما بالطبع مختلفان ولو درج ساسة السودان والمنبريون علي استخدامهما كمترادفين،فالديمقراطية الاشتراكية تحمل ديباجة اخرى باسم الديمقراطية الاجتماعية المصطلح قد صدح به غلاة المراكسة مثل لينين وروزا لوكسمبورج ،الا ان تموضعه بشكل اساسي كان باوربا ما بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وفي بداياته تولت التبشير به عناصر ماركسية،ولكنه انتهى الي مفهوم تطوير الرأسمالية. بأن يكون لها محتوى اجتماعي بتبني اجراءات اشتراكية من خلال النظم الديمقراطية.وقد مرت بتطور مفاهيمي قاد الي الدعوة الي زيادة اجور العمال،تبني مجانية التعليم، الرعاية الصحية ورعاية العجزة. وقد دعت الديمقراطية الاجتماعية للاقتصاد المختلط واقتصاد السوق الاجتماعي وهو- قبول السوق الحر وفق ضوابط حكومية لضبط المنافسة وجعلها عادلة،منع الاحتكار،خفض التضخم،توفير الخدمات الاجتماعية،تحسين ظروف العمل،تشجيع المشاريع وشركات الافراد الصغيرة -.

واكثر الدول التي حققت تطورا اقتصاديا عن طريق هذا الفكر هي المانيا ما بعد الحرب العالمية،وهو بالطبع ليس اشتراكيا،لان اساسه راسمالي،رغم ما لحق به من مساحيق اشتراكية فالبنية هي البنية وهذه الدعوة لا تناسب واقعنا اذ انها ناسبت نظاما وهيكلا اقتصاديا راسماليا موجودا علي ارض الواقع كعلاج لمشكلاته وتحسين لبعض جوانب قصوره .

اما الاشتراكية الديمقراطية فهذه يصعب تعريفها جزما لاختلاف المفاهيم التي قامت عليها باختلاف التيارات الفكرية والسياسية التي تبنتها.

فقد استخدمها غلاة الاشتراكيين تعبيرا عن ديمقراطية الاقتصاد بمعنى ابتعاده عن مركزية الدولة واستبدادها وفق اعتقاد بانه يمكن الانتقال تدريجا من الراسمالية الي الاشتراكية سواء بثورة شعبية تحتية او انتخابا،وبعض التيارات تبنتها وفقا لمفهوم الإدارة الجماعية للاقتصاد ومحاولة بناء الديمقراطية والاشتراكية في آن معا.

كما ان المصطلح قد استخدم للاشارة لانظمة الحزب الواحد في اوربا الشرقية بحكم الاصلاحات الديمقراطية التي اجرتها علي نظم حكمها في مطالع الخمسينيات والستينيات، مخالفة بذلك للنموذج السوفيتي الامر الذي لم يكن لينال رضا السوفيت عنهم،والغريب في الامر انها اطلقت علي الاتحاد السوفياتي نفسه بعد البروستاريكا!!!.والاغرب ان البعض يعتقد انها الرؤية الاساسية لكارل ماركس وينسب ابوتها اليه كما تدعي روزا لكسمبورج والامريكي هال داربر.

عموما لقد انتشرت احزاب تحمل هذه الديباجة وتتبني هذا الاصطلاح عنوانا لطرحها،وهذا ليس حصرا ففي اوربا تبناها حزب العمال النمساوي،حزب العمال البريطاني والحزب الديمقراطي الاشتراكي الالماني.

ايا كان من هذه الدعاوى فهي لا تعدو الا ان تكون اتجاها اصلاحيا لهياكل ونظم اقتصادية قائمة سواء اكانت اشتراكية أو راسمالية وهما ليسا مما يتسم بهما هيكل ونظام الاقتصاد السوداني الذي تغلب عليه الريعية والتخلف.

خلاصة القول ان السودان لا يعاني من مشكلة اقتصادية بسبب تفاوت اجتماعي او اصطراع طبقي كما انه لا يعاني اقتصاديا من حيث الموارد الطبيعية فالسودان غني بارضه المعطاءة ، وبالمياه الوافرة اذ حباه الله بالعديد من الانهار والاودية فضلا عن الامطار الغزيرة التي تهطل علي معظم اجزائه وفوق هذا تتعدد اقاليمه الجغرافية ، وهو غني بالثروة الحيوانية، وبموارده البشرية اذ يتمتع بكثافة سكانية مقدرة والتي لا تفتقر الي الخبرة والدربة اللازمة لاستغلال الموارد المشار اليها بحراك انتاجي في مجالي الزراعة والحيوان، ولو اكتفى السودان باستغلال قطاعي الزراعة والحيوان لغدا من كبريات الدول الاقتصادية ولربما لم يكن بحاجة الي استغلال الكامن من موارد. ولربما اغناه ذلك عن البترول. وللدلالة علي زعمنا هذا نورد مثالا وبعضا من معلومات نؤكد بها ان السودان في مقدوره باعتماده علي الزراعة والحيوان ان يكون دولة اقتصادية كبرى. فلننظر الي دولة مثل هولندا التي لا تتجاوز مساحتها 42000 كلم مربع نصف هذه المساحة عبارة عن اراض مستصلحة، هي ثاني اكبر دولة مصدرة للمنتجات الزراعية والغذائية في العالم، ودخل الفرد فيها يحتل المرتبة العاشرة في العالم لاعلي دخل فرد،علما بان المساحة المستغلة للزراعة والرعي لا تتجاوز29400 كلم مربع ويجئ اعتمادها علي 3.75 مليون بقرة، بينما يملك السودان ما يقارب 50 مليون من الابقار فضلا عن الابل والضأن والاغنام! دعنا لا نقارن هولندا بكامل بلاد السودان فلنعادلها بولاية جنوب كردفان 79470 كلم مربع،صالحة لتربية الابقار والزراعة . لنترك جنوب كردفان جانبا لنقارنها بولاية القضارف 75263 كلم مربع او دعك عن ولاية القضارف لنذهب الي ولاية النيل الازرق 84445 كلم مربع أو فلنقارن بجنوب دارفور 127300 كلم مربع ويمكننا تناسي بقية ولايات السودان بما فيها الجزيرة.

كل الولايات التي اشرنا اليها تكبر هولندا وبعضها يضاعف من كبر مساحة هولندا،باراض زراعية افضل من اراضي هولندا خصوبة ،وبموارد مائية وبثروة حيوانية متعددة،اي منها يمكن أن يكون مثل هولندا واكثر! كم من هولندا ستكون بالسودان؟

ايضا دعونا نجري مقارنة بين المنتج الزراعي والحيواني مع البترول الذي تنشغل بانتاجه الحكومات والشعوب ولربما بدت هذه المقارنة ضربا من ضروب المبالغة رغم انها واقع حق. تقول هذه المقارنة ان عائد تصدير رأس الضأن يساوي عائد برميلين من البترول الخام وقد يصل الي خمس براميل حال انخفاض اسعاره العالمية، وان الطن المتري من السمسم في ادنى مستوياته يعادل قيمة 10 براميل من البترول الخام وقد يتجاوز 15 برميلا حال انخفاض اسعار البترول العالمية، والطن المتري من الصمغ العربي في ادنى مستوياته يوازي قيمة 20 برميلا وقد يتجاوز 30 برميلا حال انخفاض اسعاره بينما تعادل بالة من القطن 5 براميل من خام البترول وقد تزيد حال تدني اسعاره.

ولنا ان نتساءل ان لم تكن مشكلتنا الاقتصادية سببها خلل وتفاوت التشكيلات الاجتماعية وتصارعها او قلة الموارد الطبيعية والبشرية فما هو السبب او الاسباب لما نحن فيه من تخلف اقتصادي؟؟

فيما نرى ان اس المشكلة يرجع لغياب الرؤية، الخطة، والادارة الاقتصادية لدى مفكرينا ، احزابنا وحكوماتنا التى لم تستحدث في هيكل الاقتصاد ولم تقف علي المشكل الاساسي والذي قدمنا له بمحدودية الموارد المستغلة، ضعف البنى التحتية،تقليدية القوى البشرية وعدم دربتها وضع حدا اعلى علي السلع والخدمات المنتجة مما جعل اقتصادنا في معظم فترات تاريخه اقتصاد ندرة، سادت فيه محدودية دخل الافراد لتحدد رغبة واختيار المجتمع بشكل عام لما يريد ان يعمل او يملك. وقد عانى الاقتصاد السوداني في موارده الاقتصادية وعناصر انتاجه بشريا، مواردا طبيعية ، ماليا واداريا وتنظيميا.مما جعل المنتج من السلع والخدمات دون رغبات واحتياجات المواطن على طول مسيرة الدولة السودانية.

فالازمة في مقامها الاول ازمة مفاهيم فمفهوم التنمية مرتبط اساسا بالحريات السياسية،التسهيلات الاقتصادية في معني عدالة توزيع الثروة والدخل، الشفافية، تأمين الشرائح الاجتماعية الضعيفة والترتيبات الاجتماعية المتعلقة بالتعليم والصحة والتشغيل والغذاء.

ويكمن العلاج في نظام حكم ديمقراطي شفاف ، نظام اداري يستوعب ماضينا، يقرأ واقعنا ويستشرف مستقبلنا لحل الازمة الاقتصادية،مع نظام واستراتيجية تعليمية تخدم المعالجة الاقتصادية، عدالة توزيع الثروة والدخل واستيعاب الطاقات البشرية لاستغلال الموارد الطبيعية في حراك انتاجي كبير.

ورؤيتنا تتمثل في ان كل قطاعات الشعب السوداني يجب ان تشرك في الاقتصاد بان يكونوا افرادا منتجين انتاجا حقيقيا ومسهمين في الدورة الاقتصادية دون الوقوف عند شريحة معينة،واشراك السواد الاعظم في الانتاج، وهو ما درج المتاخرة بتسميته الاقتصاد التنموي.لذا ندعوا لان تتسع القطاعات الاقتصادية ما امكن لها الوسع حتى تستوعب اكبر قدر من الشعب في العمل الانتاجي عبرقطاع الدولة،القطاع الخاص،القطاعات المختلطة والقطاع الشعبي (التعاوني) رائدا لهذا الحراك.

وانه من الضرورة توجيه الاستثمار والحراك الانتاجي الي القطاع التقليدي للارتفاع بنسبة انتاج المحاصيل الغذائية والنقدية ولزيادة الناتج الاجمالي من الزراعة ومحاربة الفقر والبطالة في قطاع يشكل غالبية سكان البلاد وذلك بتطوير الفن الانتاجي بادخال التكنولوجيا لتقليل العمل اليدوي في عمليات الاعداد الزراعي وعمليات الزراعة والحصاد والتخزين،رفع كفاءة نظم الانتاج الزراعي والحيواني والتسويق فضلا عن ايجاد صيغ للتمويل المصرفي للزراع التقليدين بدلا عن نظام (الشيل) السائد ، تأهيل البنية الاساسية التي دمرتها الحروب والكوارث الطبيعية والهجرات والاهمال وحماية البيئة وتخصيص الميزانيات اللازمة والدعم بالخدمات الاجتماعية.

ومما لا شك فيه ان اقتصادنا سيستقيم اذا ما انتهجنا فلسفة اقتصادية وطنية ومستقلة تركز علي تفعيل القوى الانتاجية وتلتزم عدالة التوزيع وتقلل من المصالح الاجنبية.

علي ان يتم تنفيذ ذلك علي ارض الواقع بتحالف الدولة والشرائح المنتجة وادخالها في العملية السياسية لاعادة استثمار الفائض من الاقتصاد الوطني واتباع سياسة توزيعية عادلة وسن مواد قوانين ضريبية واقتصادية للاستثمار وزيادة الانتاج ، وان تكون الدولة هي الهيئة الرئيسية لتنسيق التحالفات والتعاون بين الشرائح المنتجة وتحويل العلائق بينها الي استراتيجيات تنموية وخلق ظروف تراكم راسمالي دون استغلال هذه الشرائح لبعضها من خلال توزيع الموارد والعوائد العادل والمتوازن وتقسيم الاداء والعمل الانتاجي بجعله عملا شعبيا شاملا.

وذلك بادراك حقيقة ان الاقتصاد وحده لا يحدد طبيعة واشكال الصراعات الاجتماعية والطبقية بل هو من ضمن مؤشرات الاطر التي يتم فيها الصراع، التحاور، التفاوت الاجتماعي وانه لا بد من اشتمال النظرة التحليلية الي واقع ومآلات الاقتصاد باستصحاب الابنية الثقافية والاجتماعية الخاصة بالمجتمع السوداني كالاسرة، القبيلة ، الجهة، الدين وخصوصية الثقافة الوطنية والتاريخ القومي للشعب في اطار نهج اقتصادي سياسي شامل يدابر الحدود المصطنعة والقسرية للعلوم الاجتماعية المختلفة ويجافي التجريد الزائف الذي يلبس حقيقة العلاقات الاجتماعية في زواياها المختلفة

وفيما نعتقد هذا تحليل يستوعب التطور التاريخي للاقتصاد السوداني وتفاعلاته الخلاقة وديناميكيته كقاعدة للمنظور المستقبلي لاقتصادنا حتى يكون التطور الاقتصادي امرا تكوينيا لا تشريعيا.