نُخّبْ ما بعد الإنقاذ بقلم خالد عثمان

نُخّبْ ما بعد الإنقاذ بقلم خالد عثمان

    مازال مفهوم النخبة مضطرباً في تناوله سودانيا ، إذ أرتبط بالفكر والثقافة أكثر...

قراءة تاريخية في دفتر الاقتصاد السوداني أ. سيف الدولة خليل ‎

قراءة تاريخية في دفتر الاقتصاد السوداني أ. سيف الدولة خليل ‎

         هذا سفرنفترعه كمحاولة جادة لمقاربة موضوع الاقتصاد السوداني...

يس محمد أبكر نوح الطالب حراً طليقاً

يس محمد أبكر نوح الطالب حراً طليقاً

    تصريح أفرجت سلطات سجن مدينة ودمدنى صباح اليوم عن / يس محمد أبكر نوح الطالب...

السودان ومنظمة التجارة ..المداواة بالتي كانت هي الداء بقلم : خالد عمر يوسف

السودان ومنظمة التجارة ..المداواة بالتي كانت هي الداء بقلم : خالد عمر يوسف

  حملت الأنباء في الأيام الماضية تجدد عزم النظام السوداني على المضي قدماً في سعيه المحموم...

مرافعة ضد

مرافعة ضد "ثمانية وعشرين عاماً" بقلم: عمر الدقير

    بحلول ليل الثلاثين من يونيو الحالي تكون ثمانية وعشرون عاماً حسوماً قد انسلخت من...

  • نُخّبْ ما بعد الإنقاذ بقلم خالد عثمان

    نُخّبْ ما بعد الإنقاذ بقلم خالد عثمان

    الإثنين، 01 كانون1/ديسمبر 2014 10:26
  • قراءة تاريخية في دفتر الاقتصاد السوداني أ. سيف الدولة خليل ‎

    قراءة تاريخية في دفتر الاقتصاد السوداني أ. سيف الدولة خليل ‎

    الخميس، 10 كانون1/ديسمبر 2015 07:35
  • يس محمد أبكر نوح الطالب حراً طليقاً

    يس محمد أبكر نوح الطالب حراً طليقاً

    الأحد، 25 حزيران/يونيو 2017 08:15
  • السودان ومنظمة التجارة ..المداواة بالتي كانت هي الداء بقلم : خالد عمر يوسف

    السودان ومنظمة التجارة ..المداواة بالتي كانت هي الداء بقلم : خالد عمر يوسف

    الخميس، 29 حزيران/يونيو 2017 09:05
  • مرافعة ضد

    مرافعة ضد "ثمانية وعشرين عاماً" بقلم: عمر الدقير

    الخميس، 29 حزيران/يونيو 2017 21:51

السودان ومنظمة التجارة ..المداواة بالتي كانت هي الداء بقلم : خالد عمر يوسف

wtoyusif

 

حملت الأنباء في الأيام الماضية تجدد عزم النظام السوداني على المضي قدماً في سعيه المحموم للإنضمام لمنظمة التجارة العالمية ، حيث أوردت صحيفة الشرق الأوسط الصادرة يوم السبت 24 يونيو 2017 تصريحاً لوزير التجارة الخارجية الجديد حاتم السر يقول فيه : (أن بلاده ترنو إلى دخول منظمة التجارة العالمية ، للإنفتاح على التجارة الخارجية ، وهو أمر يتطلب إزالة القيود المكبلة للتجارة والإقتصاد وتكملة الإستعداد للمنافسة العالمية ، إضافة للإنفتاح الإقتصادي للسلع والخدمات السودانية على الإقتصاديات العالمية). وحينما تتحدث حكومة الإنقاذ عن إزالة القيود المكبلة للإقتصاد ، فلا بد للمواطن/ة السوداني/ة أن يتحسس جيبه بل وقيل رأسه ، لما حملته سياسات التحرير المتوحشة التي انتهجتها الدولة السودانية منذ عقود من آثار مدمرة على البني الإنتاجية ، وما أثقلت به كاهل أهل السودان من ضنك في العيش ومسغبة طاحنة لم تستثن عدا قلة قليلة ممن استفادوا من امتيازات الفساد المرتبط بالدولة وتوابعها.

ولنشأة منظمة التجارة العالمية قصة إبتدأت في عقابيل نهاية الحرب العالمية الثانية وما خلفته من تغييرات جيوسياسية واقتصادية كبرى ، قامت على إثرها أكبر المنتصرين الولايات المتحدة بإعادة صياغة النظام العالمي بيد عليا حتى على حلفائها الذين شاركوها النصر ، ولم تشاركهم الحطام الذي خلفته الحرب التي تأثرت أجزاء واسعة من القارة الأوروبية بآلتها المدمرة. جاءت الاتفاقية العامة للتجارة والتعرفة الجمركية General Agreement on Tariffs and Trade (GATT) التي وقعت في العام 1948 لتضع أساساً لإقتصاد رأسمالي معولم تسقط فيه الحدود الجغرافية وتنساب السلع بين البلدان دون قيود ، هذه الإتفاقية صاغتها دول منتصرة في الحرب ومستعمرة لغالب بلدان العالم الثالث ، فكان من الطبيعي أن ترسخ لهذه الهيمنة ، وأن تفتتح عصراً جديداً من الإستعمار والتبعية قليلة التكلفة عظيمة الربح لبلدان العالم الأول. تطورت هذه الإتفاقية تدريجياً وكانت أهم محطات تطورها ما عرف بجولة الأوروغواي في العام 1986 ، انتهاءاً بإنشاء منظمة التجارة العالمية في ابريل 1994 في مدينة مراكش المغربية ، حيث وقعت 123 دولة على اتفاقية إنشاء المنظمة التي توفر إطاراً مرجعياً لتحرير التجارة الدولية وفق المفاوضات بين الأطراف الموقعة ، بما يراعي اولويات ومصالح كل منها ، الشيء الذي يستند لمقاييس عدة ليس من بينها مقياس العدالة كما سنرى لاحقاً.

مثلت منظمة التجارة العالمية امتداداً للمؤسسات التي استخدمها النظام الرأسمالي العالمي في إعادة صياغة عالم ما بعد الحرب الباردة ، والتي يقف على رأسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي عمل في أعقاب أزمة الدين العالمي في الثمانينات على فرض سياسات التكييف الهيكلي على الدول النامية ، والتي تقوم على رفع الدولة يدها عن الخدمات ، ووقف دعم السلع ، وتخفيض قيمة العملة ، وخصخصة القطاع العام ، لتطلق يد السوق دون قيود ، ولترهق كاهل هذه الدول بمزيد من الديون التي تستديم حالة التبعية ولا توفر أساساً لأي نمو بأي شكل كان. استكملت منظمة التجارة العالمية ذلك عبر فتح الحدود وإلغاء القيود امام انسياب السلع المصنعة في البلدان المتقدمة اقتصادياً ، لتغزو الأسواق المحلية للدول الفقيرة ، وتوقف أي فرصة لنهوض تصنيع محلي يحدث اقتصادات ومجتمعات هذه البلدان ، وليمتص موادها الأولية الخام التي تصدر لتغذية صناعات الدول المهيمنة ، مفقدة الدول الفقيرة القيمة المضافة من استغلال موادها الأولية في تحريك عجلة الإقتصاد المحلي. لم تتوقف حالة غياب العدالة عند هذا الحد ، بل تعدته لفرض الولايات المتحدة واوروبا لسياسات حمائية تدعم منتجاتها الزراعية والحيوانية ، لتعطل فرص المنافسة العادلة التي يدعيها منظرو السوق الحر ، ولتفقد الدول الفقيرة المنضوية تحت لواء معاهدات التجارة الدولية ميزتها التنافسية في السوق العالمي.

مثلت كذلك اتفاقية حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة Agreement on Trade-Related Aspects of Intellectual Property Rights (TRIPs) شكلاً آخراً من أشكال شرعنة لا عدالة النظام العالمي الإقتصادي ، حيث حرمت بلدان العالم الثالث من الإستفادة من التكنلوجيا بشكل أمثل في تطوير اقتصاداتها المحلية عبر تبيئتها والإستفادة منها ، ضاربة شكلاً من أشكال الإحتكار الذي يمثل أحد وجوه تناقض النظام الرأسمالي الصارخة.

وفقاً لما لخصناه أعلاه عن منظمة التجارة العالمية وآثارها المدمرة على اقتصاديات الدول الفقيرة ، لم يكن من المفاجيء لنا ابتداءاً أن يصرح حاتم السر - المعارض الشرس لهذا النظام سابقاً الموالي له حالياً – هذا التصريح ، فقد اختارت النخب الحاكمة في السودان منذ الإستقلال وحتى الآن السير في طريق الهيكل الاقتصادي الموروث من الإستعمار والذي لم يسلمهم مفاتيح القصر الجمهوري إلا عقب إطمئنانه أن خراج البلاد سيأتيهم محمولاً على بساط الريح إلى مصانع لانكشير ، إذاً فلا حوجة لجنود ولا بنادق ولا سكرتير اداري ولا يحزنون. اتسمت الدولة السودانية منذ خروج المستعمر واستلام النخب المحلية لمقاليد الأمور بالإتصال بإرث الإستعمار بل وبالوفاء له ، فحافظت هذه النخب على إحتكار السلطة والثروة داخل نطاق مجموعات ثقافية محددة في إطار نموذج إقتصاد التبعية الذي خلفه الإستعمار ، والذي ينهض على إقتصاد ثنائي (قطاع تقليدي / قطاع حديث) ، اعتمدت الدولة في توليد ريعها فيه على قطاعات ضئيلة الإنتاجية كالقطاع الزراعي والحيواني في حين تراجعت مساهمة القطاع الصناعي وقطاع الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي كحال سائر البلدان الفقيرة في العالم. لم تطرح النخب المتعاقبة على السلطة نموذجاً للتنمية يكسر هذه الحلقة الشريرة ويحدث الإقتصاد السوداني ويضاعف إنتاجيته بل ظلت تمتص من عائد الريع الضئيل هذا وتوفر اقتصاداً تابعاً يدور في فلك النظام الرأسمالي العالمي لذا لم يكن من المستغرب أن يواصل حاتم السر تصريحاته لذات الصحيفة مروجاً لسعيهم للإنضمام لمنظمة التجارة العالمية عبر تنويع الصادر السوداني بإدخال محاصيل (العدسية واللالوب والتبلدي والعرديب) !!!!! وكأنك يا أبو زيد ما غزيت !!!

في هذا الوقت الذي تفاوض فيه وفود النظام السوداني بغرض الإنضمام لإتفاقية منظمة التجارة العالمية ، يحق لنا التساؤل عن الفوائد المرجوة من هذا الإنضمام ؟ خصوصاً في ظل تجارب سبقت كتجربة الكوميسا التي بينت الضعف الهيكلي في تنافسية الإقتصاد السوداني . تخبرنا أرقام الآداء الإقتصادي عن عجز مريع في الميزان التجاري المتوقع للعام 2017 ليبلغ3.66 مليار دولار، بواردات تصل إلى 6.7 مليار دولار وصادرات لا تتجاوز 3.1 مليار دولار. هذه الصادرات على ضآلتها فإنها تتكون من المواد الخام الأولية وهي على اشكالياتها التنافسية فإنها عرضة لتقلبات السوق العالمي ، واتساع دائرة التنافس من دول منتجة أخرى. وستحفز اتفاقية التجارة الحرة مزيداً من الواردات ، الشيء الذي سيزيد من عجز الميزان التجاري ، ويضيف أعباءاً على حصيلة النقد الأجنبي المتناقصة في الأساس. ليس هذا فحسب بل أن خفض القيود الجمركية سيقلل من مساهمة الرسوم الضريبية على الوارد في الموازنة العامة التي تعتمد على الضرائب في 77% من عائداتها.

لا يطالب هذا المقال برفض التجارة الخارجية جملة وتفصيلاً ، ولا يروج لإجراءات حمائية كاملة ، ولكنه ينبه لخطر أسر البلاد في هذه الإتفاقيات التي تستنزف مواردها الناضبة ، ولا تحدث تنمية ، وتزيد من عجز الميزان التجاري بشكل مضطرد ، وتصادر مستقبل أجيالها بإثقال كاهل الدولة بديون مليارية تتزايد سنوياً بشكل مركب. نهضت بلدان كثر عن طريق استخدام استراتيجيات فعالة للتجارة الخارجية ، لم يكن من بين هذه الإستراتيجيات سياسة التحرير الكامل ، انسحاب الدولة لصالح اليات السوق. نهضت كوريا الجنوبية على سبيل المثال عبر سلسلة من الإجراءات الإقتصادية منذ الستينيات ، لعبت فيها الدولة دوراً مركزياً في حماية الصناعات المحلية وتشجيعها ، وتنظيم الإستثمار الأجنبي ، والصرف على التعليم لتوفير بنية تحتية بشرية توطن التكنلوجيا ، وهذه هي ذات الخطى التي سارت فيها نمور آسيا الشرقية التي نهضت ببلدانها ، وبعض دول أمريكا اللاتينية ، في حين لا تتوافر سياسات التحرير الكامل على نموذج واحد يقف لها شفيعاً لاتباعها والإستعانة بوصفاتها للخروج من مأزق الفقر والتخلف الذي غرقت فيه بلادنا بفعل سياسات بائسة أوردت البلاد مورد الهلاك.

في هذا الوقت الدي تستحكم فيه حلقات الأزمة الوطنية ، تنهض حوجة ماسة لفتح نقاشات أعمق بين القوى المدنية والسياسية والأكاديميين والاقتصاديين حول تأثيرات هذه السياسات الاقتصادية على تعميق فجوة الإختلال الإجتماعي بين الذين يملكون والذين لا يملكون في السودان، وما لهذه الإختلالات التنموية من آثار مدمرة على حاضر ومستقبل البلاد. إن قضية انضمام السودان لمنظمة التجارة العالمية ونتائجها الكارثية المتوقعة على الإقتصاد الوطني يجب أن تحثنا على تكثيف مجهود علمي لوضع سياسات تنموية متكاملة تأخذ في الاعتبار عدم العدالة التاريخية ، وتضع أساساً متينة لتحديث البني الإقتصادية والإجتماعية في البلاد بشكل عادل ومستدام.